القريتلي: تماهي الأجسام السياسية مع البعثة الأممية يفاقم معاناة الليبيين

قال عبد السلام القريتلي، المتحدث باسم حزب صوت الشعب، إن الانقسام السياسي والأمني القائم في ليبيا يُعد السبب الرئيسي في تفاقم الأزمات التي يعاني منها المواطن الليبي، مؤكداً أن هذا الانقسام ينعكس بشكل مباشر وسلبي على المعيشة اليومية.
وأوضح القريتلي في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة “الساعة 24” أن أولى نتائج هذا الانقسام تتمثل في تشتيت الميزانية وانقسام إدارة الدولة بين الشرق والغرب، ما أدى إلى وجود جهات تعمل وأخرى معطلة، مشدداً على أنه لا يمكن قيام دولة حقيقية دون حكومة موحدة وميزانية موحدة.
وأشار إلى أن ليبيا أمضت سنوات في مسارات سياسية متكررة دون نتائج ملموسة، بدءاً من اتفاق الصخيرات وتشكيل حكومة منقسمة، مروراً باتفاق جنيف الذي أعاد إنتاج الانقسام الحكومي، معتبراً أن هذه المسارات لم تعالج جوهر الأزمة، بل ساهمت في إطالة أمدها.
وأكد القريتلي أن مجلسي النواب والأعلى للدولة يشكلان جزءاً أساسياً من المشكلة، لكونهما طرفين فاعلين في الانقسام السياسي القائم على الساحة، وهو ما ينعكس سلباً على حياة المواطن الليبي اليومية، مضيفاً: “لا يمكن أن تقوم دولة في ظل هذا الوضع المنقسم”.
وتساءل القريتلي عن جدوى الاستمرار في انتظار حلول في ظل انقسام مستمر، لافتاً إلى أن المسارات السياسية التي تُدار بالتعاون مع البعثة الأممية لم تُفضِ إلى إنهاء الأزمة. مشيراً إلى أن البعثة ساهمت في تكريس هذا الانقسام من خلال إدارة الأزمة وليس حلها، بالتضامن مع المجلسين.
وأشار القريتلي في سياق حديثه إلى التحركات الشعبية في المنطقة الغربية المطالبة بإسقاط الحكومة الحالية وفك الارتباط مع البعثة الأممية، مؤكداً أن الأزمة السياسية والأمنية العميقة، تتطلب تفكيراً وتحركاً جاداً نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وحسم مسألة الدستور وهوية الدولة باعتباره يمثل خطأً جوهريًا في مسار الحل.
وأوضح القريتلي أن البلاد تفتقر منذ سنوات إلى دستور يُبنى عليه نظام سياسي مستقر، وهو ما انعكس على استمرار مجلس النواب لما يقارب 14 عامًا، في مخالفة لما هو معمول به عالميًا، حيث تُحدد مدة البرلمانات والرؤساء بدورات زمنية واضحة لا تتجاوز أربع أو خمس سنوات، ولمدة دورتين كحد أقصى.
وأشار إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مفوضية الانتخابات، معتبرًا إياها جهة لوجستية وإشرافية لا تمتلك سلطة القرار السياسي، وقد أثبتت قدرتها على إدارة الانتخابات البلدية باعتبارها انتخابات خدمية. مؤكداً أن تغيير رئيس المفوضية، أو أعضائها ليس هو جوهر الأزمة.
وشدد القريتلي على أن “بيت القصيد” يتمثل في تفعيل الدستور، لافتًا إلى أن مسودة الدستور ما تزال “حبيسة الأدراج”، لأن إقرارها سيؤدي إلى إنهاء جميع الأجسام السياسية القائمة، بما في ذلك الأجسام المنبثقة عن الرعاية الأممية. وأوضح أنه جرت حوارات مع رئيس هيئة صياغة الدستور، إلى جانب مشاورات في إطار الحوار “الليبي – الليبي”، بهدف الدفع نحو إخراج الدستور إلى النور. مشدداً على أن غياب الدستور هو جوهر المأزق الليبي، وأن أي مسار سياسي لا ينطلق من هذه القاعدة سيبقى عرضة للفشل وإطالة أمد الأزمة.
كما أكد أن الخروج من الأزمة يتطلب إرادة وطنية جامعة في الشرق والغرب والجنوب، عبر مؤتمر “ليبي – ليبي” شامل، بعيدًا عن الرهان على توافق مجلسي النواب والأعلى للدولة، معتبرًا أن هذين المجلسين مستفيدان من استمرار الوضع القائم، ولا يمكن أن يتفقا على ما يخدم مصلحة البلاد.
وانتقد القريتلي انشغال الأجسام التشريعية بمناقشة زيادة رواتبها ومزايا أعضائها، في وقت تعاني فيه ليبيا من أزمات اقتصادية حادة، وتدهور في قطاع الصحة، وارتفاع معدلات الفقر إلى نحو ثلث الشعب الليبي.
ولفت القريتلي إلى أن حزب صوت الشعب يتمتع بوجود تنظيمي فعلي على الأرض، مشيرًا إلى أن للحزب مقرًا رئيسيًا ومنتسبين وفروعًا قائمة في طرابلس، مع استكمال إجراءات افتتاح فروع جديدة في المنطقة الشرقية والجنوب خلال الفترة المقبلة، داعيًا إلى عدم تعميم الاتهامات على جميع الأحزاب السياسية.
وشدد على رفضه القاطع لما يُعرف بـالحوار السياسي المهيكل، معتبرًا أنه “حوار وُلد ميتًا وبُني على باطل”، وأوضح أن حزب صوت الشعب كان من أوائل الأحزاب التي رفضت الدخول في هذا المسار، سواء بشكل منفرد أو ضمن تجمع الأحزاب الليبية.
وأشار إلى أن الحزب أعلن انسحابه رسميًا من أي مسار يؤدي إلى هذا الحوار منذ نهاية شهر أكتوبر، ثم أصدر بيانًا واضحًا في شهر نوفمبر يرفض فيه الحوار المهيكل بسبب عدم إلزامية مخرجاته، مؤكدًا أن أي أسماء أو ترشيحات تخرج عنه لا تلزم الأحزاب ولا تمثلها.
وانتقد القريتلي آلية اختيار المشاركين في الحوار، معتبرًا أنها تتم بفرض أسماء “لا علاقة لها بالسياسة أو الاقتصاد”، تُستخدم – على حد تعبيره – كـ “ديكور” لتمرير مخرجات جاهزة، مشيرًا إلى أن تكرار المسارات السياسية السابقة، من لجان وحوارات داخل ليبيا وخارجها، لم يؤدِّ إلا إلى إطالة أمد الأزمة الليبية.
واعتبر القريتلي أن الوضع العام في البلاد بات “محتقناً”، وأن المواطن الليبي أصبح منهكًا معيشيًا وصحيًا واقتصاديًا، وغير قادر حتى على التعبير عن غضبه في الشارع، مشيرًا إلى أن الأحزاب تحاول التعبير عن صوت الشارع، لكن ذلك لم يعد كافيًا. ودعا إلى تحرك شعبي منظم ضمن أطر قانونية واضحة وبأجندة وطنية تهدف إلى إنهاء حالة الجمود السياسي، معتبرًا أن المواطن الليبي لم يعد يحتمل مزيدًا من الحوارات، بل يتطلع إلى الاستقرار، والأمن، وتحسين الأوضاع الصحية والاقتصادية.
وأكد على أن استمرار التماهي بين بعض الأجسام السياسية ومجلسي النواب والدولة والبعثة الأممية، بحسب وصفه، يسهم في إدامة الأزمة، محذرًا من أن بقاء هذا النهج قد يطيل معاناة الليبيين لسنوات قادمة.
وفيما يتعلق بملف المناصب السيادية قال القريتلي: إن مجلسي النواب والدولة لن يتفقا على أي مرشح للمناصب السيادية، لأنهم يعملان وفق مصالحهم الخاصة، وليس في خدمة الشعب. حتى في اللجنة الحوارية، ظهرت محاولات للرشوة والتأثير على القرارات، ما حال دون تشكيل حكومة وطنية واحدة.
وأضاف: الحل الحقيقي يكمن في المشروع الوطني الليبي، الذي يجمع جميع الليبيين على طاولة مستديرة لإنقاذ ليبيا وبناء الدولة القوية. خلاف ذلك، فإن أي حوار آخر يعد مضيعة للوقت ويخدم مصالح فئة محدودة على حساب الشعب.
وفي ختام مداخلته أشار القريتلي إلى تجربة روندا كنموذج يمكن الاستفادة منه في إعادة بناء ليبيا الجديدة، مؤكدًا أن الالتفاف حول المشروع الوطني والطاولة المستديرة يمثل الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار والتنمية.









