اخبار مميزةليبيا

الترجمان: تردد المليشيات لمواجهة الاحتجاجات يعكس ضعف ثقتها في الدبيبة  

قال رئيس مجموعة العمل الوطني، خالد الترجمان، إن المظاهرات الجارية في عدد من المدن بغرب البلاد تُعد تطوراً لافتاً في المشهد الليبي، مشيراً إلى أنها ما زالت مستمرة ولم تتراجع كما حدث في تجارب سابقة لخروج المواطنين إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط حكومة عبد الحميد الدبيبة.

وأوضح الترجمان، في حديث لقناة “ليبيا الحدث” رصدته “الساعة 24″، أن أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو بروز الخلافات بين قادة الميليشيات في المنطقة الغربية إلى العلن، متسائلاً عمّا إذا كان بعض هؤلاء القادة سيتخذون قراراً حاسماً بالانضمام إلى التظاهرات أو على الأقل توفير الحماية لها ودعمها. واعتبر أن مثل هذه المواقف قد تكون محل نظر ومحاسبة مستقبلاً عند فتح ملفات الانتهاكات.

وأكد أن جميع قادة الميليشيات، بحسب تعبيره، سيحاسبون محاسبة صارمة على ما ارتكبوه من قتل أو نهب للمال العام أو استيلاء على المناصب والنفوذ.

وأضاف أن استمرار هذا الحراك الشعبي لعدة أسابيع قد يكون له تأثير كبير في تغيير المشهد العسكري، من خلال احتمال تحرك بعض الميليشيات أو انضمام عناصر من الشرطة أو العسكريين، إذا ضمنوا عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الميليشيات ذات النفوذ الكبير.

وشدد الترجمان على أهمية بقاء مدينتي طرابلس ومصراتة في واجهة الحراك، نظراً لما تمتلكه المجموعات المسلحة في مصراتة من قدرات عسكرية ودعم مؤثر. واعتبر أن انضمام هذه المجموعات إلى جانب المتظاهرين سيُحدث تحولاً كبيراً في موازين القوى، سواء في مواجهة حكومة الدبيبة أو الدوائر المحيطة بها.

وفيما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة، عبّر الترجمان عن اعتقاده بأن البعثة لا تضع في أجندتها الدفع نحو تغيير جذري أو إنجاز حكومة جديدة، بل تركز على إبقاء الوضع على ما هو عليه، دون انزلاق إلى فوضى شاملة أو الوصول إلى استقرار حقيقي وبناء دولة. وأضاف أن هذا التوجه، بحسب رأيه، يتماشى مع مواقف دول فاعلة في المشهد الليبي، خصوصاً في غرب البلاد. وأكد على أن استمرار خروج المواطنين إلى الشوارع يظل عاملاً مهماً، لكنه حذر من التعويل المفرط على تصعيد غير محسوب أو الدعوة إلى عصيان مدني شامل، معتبراً أن بعض التحركات قد تُستغل بما يساهم في إطالة عمر الأزمة وبقاء الوضع السياسي القائم.

وأشار إلى أن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وتأسيس دولة مدنية حقيقية لا يبدو أولوية لدى البعثة الأممية أو بعض الدول المعنية، لافتاً إلى أن قيام دولة مستقرة سيؤدي إلى ملاحقة الأموال الليبية المهربة والمجمدة في الخارج، ومحاسبة المتورطين في نهبها سواء خلال فترة النظام السابق أو ما بعد عام 2011.

وبين الترجمان أن خروج مظاهرات شعبية في مدينة مصراتة يحمل دلالات عميقة ورسائل سياسية بالغة الأهمية، مؤكدًا أن هذا التحرك الشعبي يعكس وصول الأوضاع إلى نقطة اللا عودة، في ظل تراجع قدرة حكومة عبد الحميد الدبيبة على السيطرة أو احتواء الغضب الشعبي.

ورأى أن الدبيبة اعتمد طيلة الفترة الماضية على ما وصفها بـ”القوة المشتركة” والميليشيات المسلحة، مستندًا إلى دعم مالي يُقدَّم لها بطرق غير معلنة، إلا أن امتناع هذه التشكيلات عن التصدي للمتظاهرين في مصراتة يُعد مؤشرًا واضحًا على تغيّر المعادلة.

وأضاف أن خروج المواطنين وعدم مواجهتهم بالقوة يعكس قناعة عامة بأن “العمر السياسي لهذه المرحلة قد بلغ مداه”، مشبهًا الوضع بـ “سيل جارف” لم تعد هناك قدرة على إيقافه، نتيجة تراكم الأزمات التي يعاني منها المواطن الليبي، وعلى رأسها ضعف الخدمات، وشح السيولة، وغياب الإعمار، وتردي الوضع الأمني، وتآكل كرامة المواطن.

ولفت الترجمان إلى أن المحتجين في الغرب الليبي بات لديهم نموذج آخر يقارنون به، بعد أن اطلع كثير منهم عن قرب على ما تحقق في مدن الشرق والوسط والجنوب، من استقرار نسبي، وإعادة بناء، ليس على المستوى المادي فقط، بل أيضًا في الجوانب الثقافية والفنية والرياضية، إلى جانب ترسيخ مفهوم دولة القانون والمؤسسات.

ورجح أن هذا الواقع دفع العديد من حاملي السلاح إلى التردد في تنفيذ أوامر بمواجهة ذويهم وأبناء مدنهم، مؤكدًا أن الميليشيات – باستثناء العناصر الأجنبية والمرتزقة – تتكون في الأساس من أبناء هذه المدن، ما يستدعي العمل على نزع السلاح منهم وإخراجهم من التشكيلات المسلحة كخطوة أساسية نحو الاستقرار.

وتطرق الترجمان إلى تجربة بنغازي وشرق ليبيا في مواجهة الإرهاب، مشيرًا إلى أنها كانت تجربة قاسية استمرت لأربع سنوات من القتال والدمار، في ظل دعم خارجي وداخلي للتنظيمات المتطرفة، مؤكدًا أن تكرار هذه التجربة في غرب البلاد ليس أمرًا سهلًا، لكنه شدد على إمكانية الاستفادة من أدوات ضغط سلمية فعّالة.

ولفت إن التصعيد عبر العصيان المدني قد يشكّل سلاحًا مؤثرًا في هذه المرحلة، لافتًا إلى أن موقف مصراتة اليوم مختلف وواضح، ولا توجد مؤشرات على إمكانية “شراء الذمم” كما في السابق، خاصة مع عزوف الميليشيات عن مواجهة المحتجين، وهو ما يعكس تحوّلًا سياسيًا وميدانيًا لافتًا في المشهد الليبي.

أكد الترجمان أن التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا ما زالت تعمل بقياداتها القديمة، إلا أن علاقتها برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تشهد تراجعًا واضحًا في مستوى الثقة، نتيجة جملة من التطورات الأمنية والسياسية خلال الفترة الماضية.

وتابع: توصيف فقدان الثقة بين الميليشيات والدبيبة توصيف دقيق، مشيرًا إلى أن هذه التشكيلات رأت تصفية عدد من القادة الذين كانوا يشكلون في السابق دعامة أساسية للدبيبة، مع وجود قناعة متزايدة بتورط الدبيبة وجماعاته في تلك التصفيات. وأضاف أن استمرار هذا النهج دفع تلك المجموعات إلى إعادة حساباتها، وعدم القدرة على الثقة بالدبيبة كما كان الحال سابقًا.

من جهة أخرى أشار الترجمان إلى أهمية فهم التركيبة الداخلية لهذه المجموعات المسلحة، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من قادة الصف الثاني والعناصر الشابة تأثروا بزيارات مشايخ وأعيان وحكماء من غرب البلاد إلى مدينة بنغازي، وما نقلوه من صورة واقعية عن حالة الأمن والاستقرار والإعمار التي تشهدها مناطق الشرق الليبي.

وأكد أن هؤلاء المشايخ والأعيان نقلوا بشكل مباشر الرسائل التي شاهدوها إلى أبنائهم المنخرطين في تلك التشكيلات المسلحة، وبعضهم يشغل مواقع قيادية داخلها، وهو ما كان له أثر إيجابي في تغيير قناعات شريحة من الشباب، لا سيما قيادات الصف الثاني، الذين باتوا ينظرون بقلق إلى مستقبلهم في حال فقدان قادتهم، وما قد يترتب على ذلك من صراع أجيال داخل هذه المجموعات.

وأضاف أن هذا الواقع يجعل من الضروري الاستمرار في دعم الحراك الشعبي القائم، وتعزيز قنوات التواصل معه، والعمل على تطويره نحو مواقف أكثر إيجابية، قد تقود في نهاية المطاف إلى عصيان مدني، بدلًا من الانزلاق إلى مواجهات مسلحة مكلفة في الأرواح.

وأوضح الترجمان أنه لا يمكن التعويل بشكل كامل على حسم الميليشيات المسلحة لمواقفها في الوقت الراهن، مذكرًا بفترات سابقة عانت فيها بنغازي من أوضاع أمنية كارثية بسبب المجموعات المسلحة، من اغتيالات وتفجيرات وقطع للرؤوس، وهي مشاهد لا تزال تتكرر في مناطق أخرى مثل طرابلس والزواية، حيث تستمر التصفيات الجسدية والصراعات المسلحة.

وأكد أن ما شهدته برقة من تحرك، بدعم وقيادة المشير خليفة حفتر، شكّل معركة تاريخية أعادت الأمن والاستقرار، وانتقلت بعدها المنطقة إلى مرحلة الإعمار والازدهار، وهو نموذج بات له تأثير واضح حتى على من يحمل السلاح بدافع المال أو المكانة الاجتماعية.

وتطرق الترجمان بالقول إن رؤية نموذج الأمن والاستقرار وإمكانية المشاركة في الإعمار وكسب الرزق بوسائل مشروعة، دفعت كثيرين داخل تلك الميليشيات إلى التردد والحيرة، وعدم حسم موقفهم النهائي من الدبيبة، معتبرًا أن هذا التردد في حد ذاته تطور إيجابي، قد يمهد الطريق أمام تصاعد الحراك الشعبي وتحقيق أهدافه دون الانجرار إلى معارك دامية لا يرغب بها الليبيون.

وأشار إلى أن نجاح الانتخابات في مدينة بنغازي، رغم الظروف الأمنية الصعبة آنذاك، يعود إلى قرار القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، عندما أصدر أوامره بتأمين مراكز الاقتراع، في خطوة وصفها بأنها رسالة واضحة للمجتمع الدولي تؤكد أن “مشروع الكرامة” لم يكن مجرد عملية عسكرية لمكافحة الإرهاب، بل مشروعًا وطنيًا يهدف إلى حماية الدولة وبناء الاستقرار.

قال الترجمان إن الإعلان الدستوري الليبي كان إطارًا قانونيًا كافيًا للذهاب إلى جميع الاستحقاقات الانتخابية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيرًا إلى أن ليبيا أجرت بالفعل، استنادًا إليه، انتخابات المؤتمر الوطني العام، ثم انتخابات لجنة الستين لصياغة الدستور، ثم انتخابات مجلس النواب.

وأوضح الترجمان، مستشهدًا بتصريحات سابقة لرئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، أن الإخفاق الأساسي لمجلس النواب تمثل في انخراطه في الحوار والنقاش مع الأطراف المقاطعة منذ انطلاق أعماله في مدينة طبرق، معتبرًا أن ذلك شكّل نقطة التحول التي قادت إلى تعقيد المشهد السياسي لاحقًا.

وأضاف أن تلك الانتخابات أسفرت عن إقصاء شبه كامل لجماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي، إلا أن مسألة المقاطعة والتعطيل أدت لاحقًا إلى سلسلة من الأحداث المتلاحقة، بدءًا من اندلاع المعارك في طرابلس، مرورًا بإخراج قوات الزنتان من مطار طرابلس، وتدمير المطار، وصولًا إلى تشكيل ما عُرف حينها بـ “حكومة الإنقاذ”، في مواجهة الحكومة الشرعية التي انتقلت من طرابلس إلى طبرق ثم إلى مدينة البيضاء.

وأكد أن هذه التطورات مهّدت لعودة جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة السياسية عبر الأمم المتحدة والبعثة الأممية، من خلال إنشاء ما سُمي بـ “المجلس الاستشاري”، الذي كان من المفترض أن يؤدي دورًا استشاريًا داعمًا لمجلس النواب، قبل أن يتحول تدريجيًا – بحسب تعبيره – إلى شريك مفروض، بل إلى جهة تدّعي امتلاك الشرعية التشريعية.

وانتقد الترجمان بشدة تحركات مجلس الدولة الاستشاري، مشيرًا إلى أن بعض مكوناته، وعلى رأسها شخصيات محسوبة على تيار الإخوان، باتت تتصرف باعتبارها سلطة تشريعية بديلة، متسائلًا عن جدوى هذه المسارات في ظل استمرار الخلافات حول القوانين الانتخابية وترتيب الاستحقاقات، سواء كانت رئاسية أو برلمانية أو متزامنة.

واعتبر أن هذه الخلافات ليست سوى أدوات لإطالة أمد الأزمة وإعادة البلاد إلى “حلقة مفرغة” من الحوارات المتكررة، التي لم تنتج استقرارًا منذ 2011م.

وختم الترجمان بالتأكيد على أن وجود مجلس الدولة فُرض بإرادة دولية عبر البعثة الأممية، بهدف تعطيل أي مسار جاد نحو الانتخابات وبناء الدولة، مشددًا على أن استمرار هذا الوضع يمثل عبثًا سياسيًا لا يمكن القبول به، ويُبقي ليبيا رهينة عدم الاستقرار والتجاذبات الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى