عثامنة: الظروف السياسية الراهنة تضيق الخناق على حكومة الدبيبة
قال مستشار العلاقات الدولية عبد الله عثامنة أن أي مسار سياسي أو أمني يُبنى بمعزل عن مشروع الدولة المتكاملة يُعد “بناءً خاطئًا وغير سليم”.
وأكد على أن التجارب السابقة أثبتت أن مثل هذه الكيانات مآلها الانهيار، وهو ما حدث – بحسب تعبيره – مع الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة عبد الحميد الدبيبة.
وأوضح عثامنة، في تصريحات متلفزة، أن الحراك الشعبي في المنطقة الغربية سعى للتعبير عن رفضه للممارسات القائمة بأسلوب حضاري، معتبرًا أن الصمت كان إحدى لغات الاحتجاج، لما يحمله من دلالات عميقة تفتح المجال لمراجعة الضمير السياسي وصناعة القرار.
وأشار إلى وجود فجوة عميقة بين ما يعيشه ويفكر فيه المواطن الليبي، وبين طريقة تفكير وتعاطي السلطات التنفيذية والرئاسية والاستشارية مع الواقع، معتبرًا أن هذا الانفصال ساهم في تفاقم حالة الاحتقان الشعبي.
وفي السياق ، انتقد عثامنة بشدة تحركات مجلس الدولة الاستشاري، معتبرًا أن محاولته تجاوز صفته الاستشارية، سواء في الخطاب الرسمي أو في اللافتات، والتحدث باسم الدولة، يُعد خروجًا صريحًا عن الإطار القانوني.
كما وصف تصويت المجلس على تشكيل مفوضية انتخابية بأنه خطوة مخالفة للتشريعات ولأسس الدولة المدنية والديمقراطية، مؤكدًا أن هذا الاختصاص يندرج حصريًا ضمن مهام السلطة التشريعية، ولا يحق لمجلس الدولة ممارسته لا عمومًا ولا خصوصًا.
ولفت إلى أن مجلس النواب، رغم ما يواجهه من إشكالات، تعامل بحذر مع ملف المفوضية، من خلال محاولة معالجة الشغور واستكمال النواقص بدل الذهاب إلى مسارات تصعيدية غير قانونية.
وفي سياق مشابه، قال عثامنة إن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة أصدر أكثر من 250 قرارًا منذ توليه السلطة، من بينها ما يزيد عن 160 قرارًا اتخذها بشكل منفرد دون الرجوع إلى مجلس الوزراء، معتبرًا أن ذلك يعكس ممارسة فردية وإقصائية وصلت – بحسب وصفه – إلى حد تهميش الوزراء ومصادرة حقهم في اقتراح السياسات والقرارات.
وشدد عثامنة على أن الليبيين في طرابلس ومصراتة والزاوية ومناطق وسط وغرب البلاد عبّروا بوضوح عن رفضهم القاطع لممارسات حكومة الدبيبة، مؤكدًا أن محاولات احتواء الاحتجاجات والإضرابات وتسخيرها للبقاء في السلطة “لن تنجح”، حتى مع استخدام أدوات الضغط والقوة.
وأكد أن المشهد السياسي يشهد حالة تآكل واضحة، لا سيما في العلاقة بين الحكومة والتشكيلات المسلحة، والتي وصفها بأنها علاقة قائمة على فقدان الثقة. وأوضح أن هذه العلاقة بُنيت أساسًا على شروط مالية مؤقتة.
وأضاف أن إدارة الصراعات عبر حلول مؤقتة لم تمنع الانهيار التدريجي لأركان الحكومة، سواء على مستوى المعنويات أو الأداء أو النتائج، ما انعكس في فقدان الحاضنة الشعبية، خاصة في العاصمة طرابلس، التي وصف وضعها العام بأنه “حالة اكتئاب”.
ولفت إلى وجود سيطرة فردية على السلطات من قبل بعض المسؤولين، إلى جانب ممارسات ارتجالية في إدارة المؤسسات المركزية، بما في ذلك قطاعات النفط والمالية والتخطيط، الأمر الذي أدى إلى إنفاق غير منضبط للميزانيات وأثر سلبًا على عدالة توزيع الموارد.
كما دعا عثامنة إلى إجراء إصلاحات جذرية تقوم على بناء مؤسسي مهني واحترافي، مع معالجة الفجوات الأمنية في المناطق الشرقية والجنوبية والوسطى، معتبرًا أن استقرار هذه المناطق بات واضحًا بفضل توفر الأمن، الذي يُعد الأساس الأول للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وأشار إلى أن القيادة العامة والقوات المسلحة تمكنت من بسط سيطرتها على ما بين 75% و80% من الأراضي الليبية، مع اتباع نهج معتدل وعقلاني بعدم الانخراط في صراعات عسكرية مع المناطق التي لا تزال تواجه تحديات، مؤكدًا أن وفودًا من مختلف المدن الليبية توافدت طواعية للاطلاع على واقع الاستقرار في مناطق سيطرة القيادة.
وأكد عثامنة أن الظروف السياسية الراهنة تضيق الخناق على حكومة الدبيبة، مرجحًا عدم استمرارها لأكثر من ستة أشهر، وداعيًا إلى استثمار هذه المرحلة في تنفيذ إصلاحات شاملة ورفع المعايير الإدارية والمؤسسية بما يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل.
وفيما يخص ملف الانتخابات، رأى عثامنة أن مجلس النواب يتحمل جزءًا من المسؤولية عن الوضع الحالي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مشددًا على ضرورة استكمال الفراغات داخلها في وقت مبكر لتفادي أي تدخلات أو اجتهادات خارجية من شأنها تعقيد المشهد السياسي.
وأوضح أن المفوضية تُعد من أهم الهيئات الفنية المنظمة للعملية الانتخابية، وأن أي نقص في عدد أعضائها أو خلل في تشكيلها قد يؤدي إلى خلط الأوراق وتعقيد المسار السياسي، خاصة في ظل تعدد الأجسام الموازية مثل مجلس الدولة والحكومتين والمجلس الرئاسي.
وأكد عثامنة في ختام مداخلته ضرورة توحيد السلطة التنفيذية والمضي قدمًا نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لتشكيل حكومة مستقرة تعمل على دورة كاملة مدتها أربع سنوات، بما يعزز الاستقرار السياسي والوطني.









