بوخزام: الجيش بات الأمل الوحيد لإنقاذ البلاد بعد فقدان الثقة بالأجسام السياسية

قال المحلل السياسي سالم بوخزام، إن جوهر المعضلة في المشهد السياسي الراهن يتمثل في تجاوز مجلس الدولة لدوره الاستشاري، ودخوله في حالة من العناد والتصعيد والتجاوز خاصة ملف انتخاب مجلس مفوضية الانتخابات، واصفًا ما يجري بأنه صراع مرهق ومعقّد يشبه “مناطحة الكباش”، ويدفع المواطن الليبي ثمنه في مختلف أنحاء البلاد.
وتساءل بوخزام عن الجدوى التي يجنيها المواطن من هذا الصراع غير المشروع بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، مؤكدًا أن ما يحدث يمثل خطأً واضحًا، أقدم عليه مجلس الدولة، لكنه في الوقت ذاته نتاج تراكمات سياسية معقدة امتدت منذ عام 2014 م وحتى اليوم.
وأوضح بوخزام في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” أن العلاقة بين المجلسين اتسمت طوال السنوات الماضية بغياب التوافق، إذ لم يتحقق بينهما أي اتفاق حقيقي، وهو ما أدى إلى تعميق الخلاف وتحويله إلى صراع مفتوح، زادت حدته بفعل التدخلات الأجنبية التي وصفها بأنها “تغذي النار”، وتسعى إلى إبقاء حالة الانقسام قائمة.
وأشار إلى أن الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات كان أحد أبرز أسباب الأزمة، معتبرًا أنه لم يكن نتاج إرادة ليبية خالصة، بل جاء نتيجة تدخل أجنبي مباشر في الشأن الليبي، حيث فُتحت الأبواب أمام هذه التدخلات وتم الاستماع لملاحظاتها، إلى أن وصلت البلاد إلى الوضع الراهن.
وشدد على ضرورة عدم تناول الأزمة بشكل سطحي أو اختزال أسبابها في طرف واحد، مؤكدًا أن ما تشهده ليبيا اليوم هو حصيلة أخطاء متراكمة استمرت لسنوات طويلة، وأفضت في النهاية إلى أخطار حقيقية تهدد وحدة البلاد، وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها التقسيم.
وبين بوخزام إن الصراع القائم بين مجلسي الدولة والنواب لا يمكن وصفه بالجدل السياسي، بل هو “تناطح واضح”، محمّلًا مجلس الدولة مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع، ومؤكدًا أنه لا يرى أفقًا حقيقيًا لانتهائه أو لإمكانية التوصل إلى اتفاق في ظل المعطيات الحالية.
وأوضح بوخزام أن مجلس الدولة، بحسب وصفه، تحوّل إلى أداة طيّعة بيد التدخل الأجنبي، وينفذ تعليمات حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، معتبرًا أن هذه الأجسام الثلاثة باتت تشكل واقعًا سياسيًا يقود ليبيا نحو الانفصال وتحويلها إلى كيان آخر، وهو ما وصفه بالمأساة الحقيقية للشعب الليبي.
وأشار إلى أن ليبيا دخلت مرحلة بالغة الخطورة، تقودها إلى منعرجات مصيرية، محذرًا من تكرار سيناريوهات دول شهدت التفكك مثل السودان ودول البلقان، حيث تحولت الدولة الواحدة إلى دويلات متناحرة، مؤكدًا أن خطر التقسيم بات واردًا وقويًا ومؤثرًا إذا لم ينتبه الليبيون إلى ما يجري.
وأضاف بوخزام أن الشعب الليبي بات مطالبًا بالكفاح والمقاومة من أجل الحفاظ على وحدة البلاد، مشددًا على أن هذه المرحلة لا تحتمل الاكتفاء بالكلام، بل تتطلب تضحيات حقيقية، داعيًا القيادات الوطنية الواعية إلى تحمل مسؤولياتها، وعدم القبول بتسليم ليبيا موحدة لتُعاد ممزقة ومقسمة.
وفي سياق متصل، أكد بوخزام أن الحديث عن إجراء الانتخابات غير واقعي في ظل التركيبة السياسية الحالية، مشيرًا إلى أنه منذ عام 2021، كان من الممكن الذهاب إلى انتخابات تنهي الأزمة، إلا أن من وصفهم بـ “أصحاب المصالح” تغلب لديهم هاجس المال على مصلحة الوطن.
وبيّن أن ملف الانتخابات تحوّل إلى وهم يُسوَّق لليبيين، واصفًا إياه بـ “السراب”، في ظل محاولات مستمرة لإفشاله، سواء عبر العبث بمفوضية الانتخابات أو الدفع نحو خلق أكثر من مفوضية، مؤكدًا أن لا مجلس الدولة ولا النواب جادان في إنجاز هذا الاستحقاق.
وشدد بوخزام على أن الأزمة في ليبيا لم تعد مرتبطة بالانتخابات فقط، بل تتجاوزها إلى مخطط أوسع يستهدف تقسيم البلاد وإفقار الشعب وإنهاء الدولة الليبية، معتبرًا أن القوات المسلحة هي الجهة الوحيدة التي آمنت فعليًا بمشروع توحيد ليبيا والدفاع عن ترابها.
وشدد بوخزام على ضرورة التعويل على المؤسسة العسكرية، محذرًا من أن المسار السياسي الحالي يقود البلاد، بشكل أو بآخر، نحو التقسيم، لافتًا إلى أن المناورات والخطابات السياسية القائمة تهدف أساسًا إلى التهرب من الانتخابات، في وقت بات فيه الشعب الليبي وحده متمسكًا بحقّه في اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع.
وفي رده على سؤال بشأن مقترح رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، وما إذا كان يمكن أن يشكل حلًا ويحظى بتوافق داخلي ودولي، قال سالم بوخزام إن هذا المقترح، من وجهة نظره، لا يملك فرص النجاح في المرحلة الراهنة. موضحاً أنه يكنّ الاحترام والتقدير للمستشار صالح، واصفًا إياه بالرجل المخضرم ورجل القانون الذي يخشى على ليبيا، إلا أن الثقة فيه – بحسب تعبيره- أصبحت شبه معدومة، لا سيما لدى شريحة واسعة في الغرب الليبي، ما جعله محل تشكيك من أطراف عديدة، وهو ما يضعف أي مبادرة تصدر عنه.
وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على شخص عقيلة صالح وحده، بل تمتد إلى خلل بنيوي داخل مجلس النواب نفسه، إلى جانب تعقيدات المشهد في الغرب الليبي، لافتًا إلى وجود “رياح قوية” تسعى لإقصائه ومن معه.
واعتبر أن تغيير القيادات بات ضرورة، واصفًا ذلك بأنه أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، ويمكن أن يساهم في كسر دائرة الصراع القائمة، معتبراً أن البرلمان تحوّل، في نظره، من مؤسسة يُفترض أن تعالج الإشكالات القانونية وتعرضها بوضوح على الليبيين، إلى أداة عاجزة عن أداء دورها الحقيقي، الأمر الذي فاقم الأزمة بدل حلها.
وحول آلية التغيير في ظل تعذر إجراء الانتخابات، دعا بوخزام إلى عقد مؤتمر تأسيسي شامل، يجمع جميع الأطراف والخصوم الليبيين على طاولة واحدة، باعتباره الحل الوحيد القادر على “إعادة ضبط المصنع”، وإخراج ليبيا من أزمتها الراهنة.
وأوضح أن المؤتمر التأسيسي يمكن أن يفرز شخصيات وطنية محترمة من مختلف التخصصات، من أطباء ومهندسين وقانونيين وأكاديميين، مشيرًا إلى إمكانية تشكيل لجنة صياغة تضم رؤساء الجامعات الليبية، بما يضمن مسارًا جادًا لإعادة الدولة إلى وضعها الطبيعي.
وأكد بوخزام ضرورة إسقاط الاتفاق السياسي القائم، معتبرًا إياه “المصيبة الكبرى” التي خُدع بها كثيرون على أنها الحل، بينما كانت – بحسب تعبيره – سببًا في استحضار شخصيات جدلية وفشلها في تقديم أي تنازل حقيقي لصالح ليبيا منذ عام 2014.
وانتقد بوخزام الفجوة الكبيرة بين أوضاع المسؤولين والمواطنين، مشيرًا إلى ارتفاع رواتب بعض المسؤولين مقابل تدني دخل المواطن والمتقاعد، معتبرًا أن البلاد تعيش مرحلة “جهاد حقيقي”، في وقت انشغلت فيه بعض النخب بمصالحها الشخصية بعيدًا عن معاناة الليبيين.
وفي ختام حديثه، دعا بوخزام القوات المسلحة العربية الليبية إلى الوقوف وقفة جادة إلى جانب الشعب، واصفًا إياها بالسد المنيع والدرع الواقي والأمل المرتقب لحماية البلاد، مؤكدًا أنه لا خلاف مع المؤسسة العسكرية التي تقاتل دفاعًا عن ليبيا، ومشددًا على أن الأجسام السياسية القائمة فقدت شرعيتها وقانونيتها وسقطت، على حد تعبيره، أمام الشعب الليبي.









