الحاسية: إجراء الانتخابات قبل بناء مؤسسات قوية خيار خطير يعيد إنتاج النزاع

قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمر المختار، عاطف الحاسية، إن استمرار التعطيل السياسي في ليبيا، قد يؤدي إلى انقسام البلاد إلى أقاليم مستقلة وحكومات محلية متفرقة، مؤكداً أن أي محاولة لتأجيل الانتخابات، أو تعطيلها عنوة ستؤدي إلى تصعيد الصراع.
وأضاف الحاسية، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، أن المسألة التأسيسية، والوطنية يجب أن تكون أولوية قصوى، قبل أي مسائل إدارية أو حوكمة ثانوية، معتبراً أن توحيد البلاد هو الركيزة الأساسية لضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وأشار إلى أن السيطرة على الأرض في ليبيا تعني السيطرة بالقوة العسكرية، لكن هناك أيضاً وسائل أخرى للضغط واحتواء الخصم، مؤكداً أن غياب سلطة مركزية قوية وانتشار السلاح يزيد من احتمالات النزاع في حال إجراء الانتخابات دون توفير الظروف الملائمة.
وحذر الحاسية، من أن الانتخابات في الوضع الحالي قد تؤدي إلى صراع مسلح وانقسام كامل، مستشهداً بتجارب دول مثل رواندا والجزائر، حيث أدت الانتخابات في ظروف غير مستقرة إلى تصاعد العنف الداخلي.
وعن مستقبل المسار السياسي الحالي، قال الحاسية، إن السيناريو الأقرب هو نجاح محدود أو مجرد تدوير للأزمة، محذراً من ولادة فشل جديد إذا لم تتغير معادلة السلطة بين الأطراف، مؤكداً أن الأطراف التي تسعى لتغيير السلطة ستواصل فرض حلولها بالقوة.
وذكر الحاسية، أن “الحوار المهيكل” الذي تقوده البعثة الأممية، ما زال يقتصر على الجانب النظري، دون تحقيق أي خطوات عملية توصل البلاد إلى مسار الانتخابات الرئاسية والتشريعية. مشيراً إلى أن الهدف المعلن من تشكيل اللجنة الاستشارية، والحوار المهيكل هو التحضير للانتخابات، إلا أن الأمم المتحدة تفترض أن ليبيا جاهزة للانتخابات، وهو افتراض يرى أنه غير واقعي بسبب استمرار “الظروف القاهرة” التي لم تتغير بشكل جذري منذ عامي 2022 و2023.
وأضاف أن البعثة الأممية تحاول “شراء الوقت” نتيجة غياب آذان صاغية لدى مجلس الأمن والدول المؤثرة في الملف الليبي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية والصراع الدولي على الموارد، ما يضع الليبيين في موقف ثانوي في عملية صنع القرار.
وشدد الحاسية، على أن صوت الليبيين، سواء من خلال الأكاديميين، أو لجنة الاستشارة، أو الحوارات المهيكلة، لم يحقق تأثيرًا كافيًا، بينما بدأ صوت المتظاهرين والشارع الليبي يرتفع بشكل متزايد اعتراضًا على أداء البعثة الأممية، مؤكدًا أن هناك رفضًا واضحًا من بعض الحكومات المحلية، والفواعل السياسية لوجود البعثة أساسًا.
ورأى الحاسية، أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن النقاش الحالي يركز على إدارة الأزمة الحالية وليس على مسبباتها، مبيناً أن “الحوار المهيكل” ومسار الحوكمة يجب أن يسهم في وضع إطار تأسيسي للدولة الليبية قبل الدخول في مرحلة الانتخابات، مؤكّدًا أن أي انتخابات دون هيكل سياسي أساسي ستكون “خيارًا خطيرًا”، وقد تؤدي إلى تجدد النزاع بدلاً من تحقيق الاستقرار.
ولفت إلى أن الديمقراطية في ليبيا لا يمكن أن تكون هدفًا بحد ذاته، بل أداة لتحقيق الاستقرار، موضحًا أن نجاحها مرتبط بوجود مستوى معيّن من الاستقرار السياسي والأمني يسبق الانتخابات ويؤسس لها. مؤكداً أن الأزمة الليبية الحالية تتجاوز الخلاف السياسي الظاهر، لتصبح أزمة تأسيسية قائمة على توزيع السلطة والثروة بين الأطراف المتصارعة.
وأشار الأستاذ الجامعي، إلى أن فشل المسارات السابقة، مثل لجنة الـ “75” وحوارات جنيف، نتجت عن صفقات بين النخب، شملت تقاسم السلطة العلني والسلطة المسلحة على الأرض، بالإضافة إلى تقاسم الثروة بشكل غير معلن.
وأوضح أن هذه الصفقات الاقتصادية، التي تهدف إلى إرضاء الطبقات الحاكمة، أسهمت بشكل واضح في إفشال أي حلول سياسية، مؤكدًا أن البعثة الأممية منذ تأسيسها تعمل على رعاية المفاوضات بين الأطراف المتصارعة، لكنها اتسعت لتشمل أيضًا التفاوض على توزيع الثروات، ما يشكل خطرًا تأسيسيًا على الدولة الليبية.
وحسب الحاسية، فإن أي استقرار أمني حقيقي يجب أن يسبق التفاوض، بحيث تجلس الأطراف المسلحة على الطاولة لتقليص الاحتكاكات والاقتتال، وليس فقط للتفاوض حول السيطرة الاقتصادية والجغرافية على موارد البلاد. ورأى أن الأطراف المتصارعة غالبًا ما تشترك في نفس الموارد، ما يزيد من خطورة الوضع ويجعل السيطرة على الثروات محور الصراع الحالي، وليس الاختلاف على الأيديولوجيا أو السياسة فحسب.
واعتبر الحاسية، أن النزاع حول الثروة يمثل صراعًا شعبيًا وإقليميًا وتأسيسيًا في آن واحد، وليس مجرد صراع بين نخب أو أطراف سياسية، مشددًا على أن تجاهل هذه الحقيقة يعرّض البلاد لفشل مستمر ووراثة الصراع للأجيال القادمة. موضحاً أن المشكلة الليبية ليست سياسية فقط كما يُصوّر أحيانًا، بل تأسيسية، حيث تتوزع السلطة على أساس الدين والإقليم والأيديولوجيا، دون وضع إطار مؤسساتي متين منذ 2011.
وتابع: الأمم المتحدة وضعت مسألة المؤتمر التأسيسي في الخيار الرابع ضمن خارطة الطريق، لكنها لم تمنح الأولوية الكافية للمسألة الأساسية، وهي بناء دولة قوية ومؤسساتية، قبل الانخراط في انتخابات أو إدارة السلطة التنفيذية. وأوضح أن استمرار التركيز على الجانب التنفيذي وحده يعيد إنتاج النزاع على السلطة، ويغفل أهمية بناء مؤسسات تراكمية ودولة قادرة على إدارة الموارد والسياسات بشكل مستدام.
وبالتالي، رأى الحاسية أن ليبيا بحاجة اليوم إلى إعادة النظر في أسس الدولة، وإلى حوار تأسيسي يضع توزيع السلطة والثروة في إطار مؤسساتي، لتجنب استمرار النزاع وتكرار الصراعات حول الموارد والهيمنة السياسية.
وفي محور اَخر، أكد أن المسار الاقتصادي ظل الحلقة الأضعف في مساعي الحل السياسي الليبي، مشددًا على أن غياب الإرادة الدولية الحقيقية لإدماجه ضمن مسار تفاوضي منظم ومدعوم دوليًا أسهم بشكل مباشر في تعقيد الأزمة واستدامتها.
وبينّ أن إهمال المسار الاقتصادي لم يكن مرتبطًا بشخص المبعوث الأممي، بل استمر مع تعاقب عدة مبعوثين أمميين، ما يعكس خللًا بنيويًا في مقاربة البعثة الأممية، مشيرًا إلى أن المشاركين أنفسهم في الحوارات واجهوا إشكالية جوهرية تتعلق بعدم امتلاكهم سلطة حقيقية لوضع حلول اقتصادية قابلة للتنفيذ، وهو ما أدى إلى تناثر الجهود وغياب مخرجات واضحة.
وأضاف أن النقاشات الاقتصادية انتهت في مراحلها المتقدمة إلى التركيز على صياغة توصيات مؤقتة لسياسات حكومة مؤقتة، تمتد من 12 إلى 24 شهرًا، باعتبار أن غياب البيانات والمعلومات الدقيقة يجعل من المستحيل وضع سياسات اقتصادية طويلة الأمد. لافتا إلى أن المسار الاقتصادي شهد انقسامًا داخليًا بين من يدفع نحو معالجة القضايا التأسيسية، ومن يركز على مصالح مؤسسات محددة جرى إشراكها في هذا المسار، مثل ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، ومصرف ليبيا المركزي بفروعه.
وأردف: التجربة الأولى لحوارات جنيف كشفت عن تهميش مبكر للاقتصاد من قبل أطراف المسار السياسي، حيث ساد منطق “السلطة أولًا ثم الاقتصاد لاحقًا”، وهو ما أفضى إلى تقاسم غير معلن للموارد المالية والاقتصادية تحت الطاولة، بالتوازي مع الترتيبات السياسية والأمنية المعلنة.
وبيّن أن البعثة الأممية لاحظت لاحقًا أن بعض الأطراف الليبية باتت أكثر ارتباطًا بمصالح اقتصادية مع أطراف دولية في مستويات غير رسمية، وأن الوعود الاقتصادية أصبحت أداة للتأثير في تشكيل السلطة التنفيذية، محذرًا من أن إعادة إنتاج هذا النموذج ستقود حتمًا إلى أزمة أعمق.
وحذر الحاسية، من خطورة الوضع الاقتصادي الراهن، معتبرًا أنه قابل للانهيار في أي لحظة، مع احتمالات تدهور كبير في سعر صرف الدينار، والدخول في سيناريوهات شبيهة بالنموذجين السوداني أو العراقي، إذا استمر تجاهل الاقتصاد باعتباره محركًا رئيسيًا للصراع على السلطة.
وختم أستاذ العلوم السياسية، حديثه بالتأكيد على أن استمرار التعامل مع الاقتصاد كملف ثانوي سيؤدي إلى انفجار اجتماعي ومالي، مشددًا على أن النقدية نفسها تحولت إلى جزء من الصراع والنهب، وأن أول المستفيدين من الانهيار سيكونون من يملكون القدرة على الهروب، بينما يتحمل المواطن العبء الأكبر من التدهور المعيشي.









