الغدامسي: تعديل سعر الصرف لن يقلص الفارق بين السوق الرسمي والموازي

قال الاقتصادي والخبير في إدارة الأعمال، مدحت الغدامسي، إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي لتعديل سعر الصرف، لن تكون كافية لتحقيق الهدف المعلن بتقليص الفارق بين السوق الرسمي والموازي، ما لم تُتخذ إجراءات موازية إضافية تدعم هذا التوجه وتضمن فاعليته على أرض الواقع.
وأوضح الغدامسي، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″،
أن رفع قيمة الدولار مقابل الدينار، ليصل إلى مستويات تتراوح بين 7 – 7.5 دينار، لا يحقق بمفرده الهدف من تقليص الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، مشددًا على أن القرار، بصيغته الحالية، يظل محدود الأثر دون سياسات داعمة.
وأضاف أن المصرف المركزي، يحتاج إلى حزمة إجراءات إضافية لضمان نجاح هذا التعديل، لافتًا إلى أن حجم الاعتمادات المفتوحة حتى عام 2025 يتراوح بين 15 و20 مليار دولار، وهو رقم كبير يتطلب إدارة دقيقة وحذرة.
وبيّن أن أي تعديل لسعر الصرف عند مستوى 7 دنانير سيحقق إيرادات مباشرة تدخل خزينة المصرف المركزي، غير أن العائد المباشر على المواطن العادي سيظل محدودًا جدًا، ولا يمكن مقارنته بالقيمة الإجمالية لتلك الاعتمادات.
وأشار الغدامسي إلى أن التأثير الفعلي لهذه السياسات ينعكس غالبًا على المساعدات الاجتماعية المرتبطة بالأغراض الشخصية، في حين يتحمل المواطن العبء الأكبر نتيجة ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة الطلب على العملة الأجنبية.
كما لفت إلى أن قرارات مثل إلغاء الرسم الضريبي وتقديم تسهيلات جمركية، تستهدف بالأساس تعزيز الخزانة العامة، أكثر من كونها سياسات مالية متكاملة ومدروسة لتحقيق استقرار حقيقي في السوق.
وأكد الغدامسي أن الهدف الأساسي للمصرف المركزي من هذه الإجراءات يتمثل في خفض عجز الموازنة وتقليل الفاقد الناتج عن الفروق بين الأسواق، موضحًا أن هذه السياسات تُدار من منظور نقدي بحت، بعيدًا عن التدخل المباشر للجهاز التنفيذي، مع الحرص على الحفاظ على استقلالية المصرف المركزي في قراراته.
وأضاف أن المصرف المركزي يتجنب الانخراط في التجاذبات السياسية بين الشرق والغرب، معتمدًا على إدارة تدريجية للإيرادات والسيولة النقدية، بما يسمح بتنفيذ إصلاحات مالية دون الدخول في صراعات سياسية قد تعرقل عمله.
وفي هذا السياق، أشار الغدامسي إلى أن نجاح هذه السياسات في تحقيق استقرار اقتصادي فعلي يظل مرهونًا بتوفر ضمانات إضافية تكبح الطلب في السوق الموازي وتحد من ارتفاع الأسعار، وهي شروط لم تتحقق حتى الآن، وفق تقديره.
وتطرق الغدامسي إلى مسألة الضرائب، مؤكدًا أن مفهوم “الضريبة” في ليبيا يختلف بحسب الجهة المسؤولة عنها، موضحًا أن الضريبة الجمركية المفروضة على السلع عند دخولها الموانئ، تصدر وفق القانون عن الجهاز التشريعي. مبيناً أن الضريبة تُفرض قبل دخول السلع إلى السوق المحلي، مشيرًا إلى أن نسب الرسوم الحالية على الحاويات والسلع المستوردة ارتفعت من 2.12% إلى نحو 5%، ما يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية المفروضة على الواردات.
كما أشار إلى نوع آخر من الضرائب، مثل ضرائب الاستهلاك والإنتاج، والتي تُصنّف ضمن التعريفات التابعة للجهاز التنفيذي، حيث يتم تحديدها بناءً على معطيات السوق والاقتصاد الوطني، وبما يتوافق مع احتياجات المستهلكين والأولويات الاقتصادية.
وأوضح أن هذا النوع من القرارات يتطلب دراسات مستمرة من وزارة الاقتصاد، ومصلحة الجمارك، وجهاز حماية المستهلك، إلى جانب التشاور مع رجال الأعمال والغرف التجارية، لضمان توافقها مع الواقع الاقتصادي.
وشدد الغدامسي على أن التدخل التشريعي في هذه التعريفات التنفيذية يُعد تجاوزًا للصلاحيات، مبيّنًا أن القانون يمنح الجهاز التنفيذي سلطة إدارتها، في حين يقتصر دور الجهاز التشريعي على التدخل في حال وجود مخالفة قانونية صريحة، من خلال الطعن أو رفع دعاوى لإلغاء رسوم أو ضرائب محددة.
وبينّ أن بعض الرسوم السابقة، مثل رسوم النقد الأجنبي، لم تصدر عن المصرف المركزي، وإنما كانت من اختصاص الجهاز التنفيذي، ما يؤكد – بحسب قوله – أن الحكومة هي من لم تنفذ تلك القرارات، وليس الجهاز التشريعي.
وأشار الغدامسي إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه إعداد موازنة استيرادية دقيقة، في ظل تعدد العوامل غير القابلة للقياس، مثل استهلاك غير المواطنين، وعمليات التهريب، والمضاربات في سوق العملة. معتبراً أن غياب الضبط الكامل للاقتصاد الوطني وسوق الاستهلاك يجعل من عملية تحديد الضرائب وتنفيذها مسألة معقدة، ويدخل السوق في حالة فوضى شبه كاملة.
وأكد أن ليبيا شهدت، على مدى سنوات، محاولات إصلاحية في مجال المالية العامة، شاركت فيها مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بالتعاون مع وزارتي التخطيط والمالية، بهدف ضبط الإنفاق العام وتتبع الموارد المالية. كما لفت إلى وجود تجارب سابقة توُصف بالناجحة، من بينها اعتماد الحساب الموحد، وتطوير وحدة المالية العامة، إلى جانب مشروعات متعلقة بأولويات الإنفاق العام، جرى بحثها مع شركات استشارية دولية. غير أنه أوضح أن هذه الأدوات لم تُطبق فعليًا داخل مؤسسات الدولة، ما يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتبني أفضل الممارسات المالية.
ورأى الغدامسي، أن غياب الحوكمة الواضحة والمتابعة الصارمة للإنفاق العام جعل المال العام عرضة للإساءة، مؤكدًا أن تقارير ديوان المحاسبة السابقة كشفت عن اختلالات مالية عديدة، مرجحًا استمرارها ما لم تتبنَّ القيادة السياسية العليا إصلاحات جادة، مع دعم حقيقي للأجهزة الرقابية والقضائية وتفعيل النصوص العقابية.
وفي ختام مداخلته، أشار الغدامسي إلى دور الجهات الدولية، موضحًا أن شركات الرقابة الأمريكية تركز أساسًا على التعاملات المعتمدة على الدولار، بينما يظل تدخلها في التعامل باليورو محدودًا ويخضع للإدارة المحلية. وأضاف أن التخبط في السياسة النقدية وغياب التنسيق بين السياسات المالية والتجارية يعكسان عدم التزام الحكومات بترشيد الإنفاق، خاصة في أوقات الأزمات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي للمواطنين ويظهر يوميًا في الأخبار.









