اخبار مميزةليبيا

المخزوم: الانقسام القضائي بات خطيرًا ويستلزم تعليق الأحكام الدستورية مؤقتًا

حذّر نائب رئيس المؤتمر الوطني العام سابقًا، صالح المخزوم، من أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا، ينذر بانقسام قضائي خطير يهدد وحدة الدولة، مؤكدًا أن إطالة أمد الأزمة السياسية سينعكس سلبًا على مؤسسة القضاء التي حافظت تاريخيًا على نزاهتها واستقلالها منذ العهد الملكي، مرورًا بفترة حكم القذافي، وصولًا إلى المحكمة العليا التي أصدرت أحكامًا وصفها بالجريئة والصارمة.

ورأى المخزوم، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة24″، أن المرحلة الراهنة بالغة الخطورة، حيث بات أي بيان أو تعقيب يُفسَّر على أنه انحياز لطرف سياسي ضد آخر، مشيرًا إلى دعمه لما ذهبت إليه نقابة المحامين وجمعية الهيئات القضائية بشأن ضرورة إيقاف جميع الأحكام مؤقتًا إلى حين توحيد البلاد، متسائلًا في الوقت ذاته عن الجهة القادرة على تطبيق هذا المقترح في ظل واقع سياسي معقد.

وأكد أن استقلال القضاء الدستوري، لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود دستور دائم يمنحه الشرعية، يعقبه إصدار قانون خاص يضمن استقلال المحكمة الدستورية فعليًا. لافتًا إلى أن القذافي عطّل القضاء الدستوري لمدة عشرين عامًا عبر تعطيل لائحته الداخلية، لكنه لم يعبث به كما يحدث اليوم، خوفًا من أحكام تدعم حقوق الإنسان وحرياته.

وأشار المخزوم، إلى أن ليبيا تأسست على إعلان دستوري ضعيف خضع لأكثر من ثلاثة عشر تعديلًا، ما أضعف الشرعية الدستورية وفتح المجال لتصرفات سياسية لاحقة. وبيّن أن الانقسام السياسي بدأ فعليًا عام 2014 بعد تجميد الإعلان الدستوري، وأن انتخابات مجلس النواب، أُجريت في ظروف حرب أفقدتها الشرعية الكاملة، مستشهدًا بأن عدد الأصوات التي حصل عليها في قريته فاق عدد الأصوات التي حصل عليها رئيس مجلس النواب الحالي عقيلة صالح، في دلالة على ضعف العملية الانتخابية آنذاك.

وأوضح أن مجلس النواب نشأ في بيئة منقسمة سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا، قبل أن يصدر حكم المحكمة الذي منح الطرفين أحقية الجلوس إلى طاولة الحوار، وهو ما تُرجم لاحقًا في اتفاق الصخيرات الذي وقّع عليه شخصيًا، معتبرًا الاتفاق أداة جامعة للفرقاء السياسيين. لكنه انتقد قيام مجلس النواب، خلال عام 2020 وفي ظل الحرب الثانية، بإصدار قرارات ألغت تشريعات سابقة، ما أدخل البلاد في دائرة من الفعل ورد الفعل.

وأكد المخزوم، أن المجتمع الدولي اعتبر حكم المحكمة العليا أساسًا لمنح الشرعية للمؤتمر الوطني العام للجلوس مع مجلس النواب، وأن الاتفاق السياسي نص على عدم المساس بالتشريعات إلا بتوافق الطرفين، إلا أن مجلس النواب، تجاوز ذلك وأصدر قوانين منفردة، معلنًا تأييده لإيقاف هذه القوانين، محذرًا من أن استمرار إصدارها في ظل الانقسام سيقود إلى “كارثة قضائية”.

وشدد المخزوم، على أن القوانين الصادرة في أجواء الحرب كانت منحازة سياسيًا، ما يفاقم الأزمة ويهدد وحدة الدولة، محذرًا من أن استمرار التقاضي وإصدار الأحكام في ظل الانقسام سيؤدي إلى انهيار الدولة، مؤكدًا أن الحل يكمن في التوافق على دستور دائم أو صيغة سياسية جامعة، لا في سياسات الغلبة.

واعتبر أن ليبيا تعيش اليوم انقسامًا سياسيًا تبعه انقسام قضائي، واصفًا ذلك بالكارثة التي يجب تفاديها عبر حماية استقلال القضاء وإبعاده عن الضغوط السياسية.

وأكد المخزوم، أن البيانات الأخيرة أجمعت على ضرورة تأجيل الأحكام الدستورية إلى حين إقرار دستور دائم، معتبرًا أن هذا الخيار هو الأمثل لمنع “تسييس” القانون والقضاء. كما استعرض تجربة شخصية مع رجال القضاء عام 2014، عندما رفض المستشار الصديق الصور ترشيحه لمنصب النائب العام، مطالبًا بسحب اسمه خشية انقسام القضاء، وهو ما اعتبره دليلًا على حرص القضاة على حماية مؤسستهم.

وبينّ أن هذه المواقف تعزز الأمل في أن يكون القضاء، بشقيه الجالس والواقف، قادرًا على الإسهام في حل الأزمة، خاصة في ظل تأكيد البيانات الأخيرة على مبدأ الفصل بين السلطات. ولفت إلى أن الإشكال لا يتعلق بالقضاء الجنائي أو الإداري أو المدني، بل بالقضاء الدستوري المرتبط مباشرة بالصراع السياسي، نظرًا لاختصاصاته في محاكمة الرؤساء، وعزل المسؤولين، وإلغاء الانتخابات.

ولفت المخزوم إلى أن حالة الفوضى بدأت مع تشكيل المحكمة الدستورية عام 2020 في ظل الحرب والانقسام، حيث صدرت قرارات بإلغاء قوانين سابقة أربكت المشهد القانوني.

واعتبر المخزوم، أن حكم المحكمة العليا عام 2014 ببطلان انتخابات مجلس النواب كان صحيحًا قانونيًا، لكنه صدر في سياق سياسي معقد، قد يدفع بعض القضاة اليوم للاعتقاد بأنهم تسرعوا في إصدار حكم ذي طابع سياسي.

وشدد على أنه يقدّس القضاء ولا يرغب في الخوض في جدل الأسماء والمناصب، مشددًا على أن الأولوية هي حماية وحدة الدولة ومنع الانقسام القضائي.

وأشار إلى أن رئيس المحكمة العليا الحالي كان مرشحًا من مجلس النواب، ومع ذلك فإن إلغاء التعديلات الصادرة أعاد العمل بالقانون رقم 4 لسنة 2011، الذي ينص على أن رئيس المحكمة العليا هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما يتماشى مع الأنظمة المعمول بها في دول الجوار.

وتساءل المخزوم، عن كيفية إبعاد الصراع السياسي عن القضاء، داعيًا إلى وضع “نقطة توقف”، ومعالجة الأزمة بأقصى درجات الصراحة، بعيدًا عن ردود الأفعال والغضب، من خلال الحوار والمصارحة والتهدئة.

ورأى أن أي خطوة إضافية في المرحلة الراهنة ستؤدي إلى تأجيج الفوضى، مطالبًا بوقف جميع التصرفات الحالية، بما في ذلك الفصل في القضايا الدستورية والتعيينات في المناصب السيادية، خاصة في ظل الحديث عن انتخابات أو حوار سياسي مرتقب. واعتبر أن وقف هذه الإجراءات أمر ممكن إذا توفرت إرادة وطنية حقيقية.

واعتبر المخزوم، أن الانقسام طال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحتى المؤسسة العسكرية، ما يستدعي البحث عن حل شامل، مؤكدًا أن المسارات السياسية الجارية قد تفضي إلى تفاهمات نسبية، فيما يجب ترك ملف القضاء لرجال القضاء أنفسهم عبر جمعياتهم ونقاباتهم.

وختم المخزوم، بالتأكيد على أن التسريبات بشأن تواصل الأطراف القضائية تمثل “بشارة خير” وبداية محتملة لحلول عملية تنهي الانقسام، مشددًا على أن الأزمة سياسية في جوهرها ولا يجب نقلها إلى القضاء، وأن أي تهدئة وحوار صادق من شأنهما فتح مرحلة جديدة أكثر استقرارًا وتوافقًا في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى