عتيقة: سنوات الاستبداد أضعفت الدولة والانتقال يحتاج لمواجهة المعاناة

أعرب المحامي والناشط الحقوقي جمعة عتيقة عن استغرابه من بعض التساؤلات المطروحة حول تقييم مسار ثورة 17 فبراير، مؤكّدًا أن الحدث التاريخي الذي شهده هذا اليوم شكّل “زلزالًا تاريخيًا” هز الواقع السياسي والاجتماعي في ليبيا، وفتح آفاقًا جديدة نحو التغيير، وفق قوله.
وأوضح عتيقة، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته “الساعة 24” أن الثورة لم تكن محصورة في أدوات أو هيئات بعينها، وأن تقييمها لا يمكن اختزاله في مدة زمنية محددة مثل خمس سنوات، مشددًا على أن مسار الثورة تجاوز هذا الإطار ليشمل تحولات اجتماعية وسياسية أعمق، على حد تعبيره.
وأضاف أن النقد الذاتي واحترام حرية التعبير والحقوق الإنسانية يشكّلان عنصرًا أساسيًا في فهم الثورة، مؤكدًا أن هذا لا يعني إطلاق أحكام مطلقة، بل هو جزء من عملية تقييم موضوعية لمسار تحوّل تاريخي شهدته البلاد.
وأشار عتيقة إلى أن الثورة، رغم ما واجهته من عقبات وتحديات، كانت بمثابة دفع للأوضاع نحو التغيير، وأن تحقيق النتائج المرجوة يتطلب المرور بمراحل حتمية، إذ لا يمكن لأي عملية إصلاح أو تقدم أن تتحقق دون مواجهة الصعوبات، معتبرًا أن ذلك جزء طبيعي من أي تحوّل تاريخي.
كما أكد أن الاعتقاد بأن الثورة يمكن تقييمها وفق مصالح شخصية أو رؤية ضيقة هو مخطئ، موضحًا أن منطق الثورة مرتبط بسياقها التاريخي ومجمل الأسباب التي أدت إلى انفجارها، وأن فهمها يتطلب إدراك اللحظة التي انطلقت فيها وما حملته من مطالب شعبية حقيقية، بعيدًا عن التقييم السطحي أو الفردي.
وأكد عتيقة أن الثورة ليست قضية مرتبطة بأشخاص بعينهم، بل هي حدث جماعي تداخلت فيه المصالح والمسبقات، ونجاحها يقاس بما تحقق من أثر ملموس على المجتمع، وليس بما إذا حصلت على حكم أو سلطة محددة، مؤكدًا أن هذا لا يمكن اختزاله في نظرة ضيقة.
وفي السياق ذاته، شدد عتيقة على أن الانتقال من إرث دكتاتوري مستبد دام لعقود طويلة إلى نظام ديمقراطي حديث يشكل تحديًا كبيرًا، موضحًا أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى فهم دقيق لمبادئ العدالة الانتقالية وتطبيقها وفق قواعد واضحة، حيث ترتكز العدالة الانتقالية على ضمان التحول من واقع استبدادي إلى منظومة مفتوحة على الحقوق والحريات والحياة الكريمة. مبيناً أن هذا المفهوم لم يُستوعب بالكامل في البداية، وأن تطبيقه يمثل قرارًا مصيريًا بين التردد والمواجهة الضرورية.
وأشار عتيقة إلى أن القانون الانتقالي الذي وُضع منذ أيام مؤتمر الجزائر يوفر إطارًا يتماشى مع المعايير الدولية، ويهدف إلى معالجة الخلل في إدارة الدولة وصد الفساد المستشري لعقود، مؤكدًا أن سنوات الحكم الفردي تركت آثارًا سلبية على قدرات الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك ضعف الإدارة والموارد البشرية.
ورأى عتيقة أن الاعتقاد بأن سقوط النظام الاستبدادي سيؤدي مباشرة إلى دولة مثالية هو وهم، مؤكدًا أن أي عملية انتقال تتطلب مواجهة المعاناة وبناء ثقافة جديدة تراعي استدامة المؤسسات وتفعيل الحقوق، مشددًا على أن نجاح الانتقال السياسي مرتبط بالوعي المجتمعي والقدرة على التعامل مع التحديات التاريخية والواقع الموروث من العقود الماضية.









