الغرياني: “رؤية 2030” نقطة تحول استراتيجية بتطوير المؤسسة العسكرية

أكد الناشط السياسي عبد الله الغرياني أن إعلان القائد العام للقوات المسلحة، المشير خليفة حفتر، عن “رؤية 2030” خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي في أغسطس الماضي، مثّل نقطة تحول مفصلية دشّنت مرحلة جديدة من مسار إعادة الهيكلة والتحديث داخل المؤسسة العسكرية، واضعًا إطارًا استراتيجيًا متكاملاً يستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة ويستشرف في الوقت ذاته تحديات المستقبل.
وأوضح الغرياني، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن الإعلان عن هذه الرؤية لم يبق في حدود الطرح النظري، بل أعقبته مباشرة حزمة من الإجراءات التنظيمية داخل القيادة العامة، إذ جرى تكليف الفريق أول ركن صدام حفتر نائبًا للقائد العام، وتعيين الفريق أول خالد حفتر رئيسًا للأركان العامة.
واعتبر أن هذه الخطوات تندرج في سياق إعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز مبدأ العمل المؤسسي القائم على التخطيط الاستراتيجي والتأهيل المتقدم، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو ترسيخ هيكل قيادي أكثر انضباطاً ووضوحاً في الاختصاصات.
وبيّن أن “رؤية 2030” تقوم على خمس دعائم أساسية، تتصدرها مهمة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية داخل ليبيا، والتعامل بكفاءة مع المتغيرات الإقليمية، ولا سيما في ظل التحركات المسلحة في دول الجوار الجنوبي.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن استمرار الانقسامات المسلحة في غرب البلاد، إلى جانب التهديدات التي تطال الجغرافيا الليبية، يفرضان الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، وامتلاك تصور متكامل يكفل حماية الحدود وصون المسارات السياسية والدستورية.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، لفت الغرياني إلى أن القيادة العامة اتجهت إلى إعادة ضبط بوصلتها الدبلوماسية عبر تبني سياسة “تصفير المشكلات” مع عدد من الدول، من بينها تركيا، فضلاً عن تدشين علاقات استراتيجية مع باكستان، وتعزيز التنسيق مع القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). وكشف، في هذا الإطار، عن استعدادات لإجراء مناورات عسكرية في سرت خلال أبريل المقبل بالتعاون مع “أفريكوم”، وذلك ضمن خطط التدريب والتطوير ورفع الكفاءة القتالية.
وأكد أن هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى مرحلة انطلاق العمليات العسكرية ضد الجماعات الإرهابية في مدينة بنغازي، حيث اعتمدت القيادة – بحسب قوله – مقاربة أكاديمية تُرجمت بإعادة تفعيل الكلية العسكرية في توكرة عام 2017، من أجل تخريج دفعات من الضباط وفق برامج تدريبية متقدمة.
وأضاف أن الشعار الذي رُفع منذ بداية المعارك، “يد تحارب ويد تبني”، يعكس فلسفة قائمة على الجمع بين المواجهة العسكرية والبناء المؤسسي، خصوصاً في ظل التطورات المتسارعة في سوق السلاح والصراعات الدولية، ومنها الحرب في أوكرانيا، بما يفرض مواكبة التقنيات الحديثة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفيما يتعلق بالشق التنموي، أوضح الغرياني أن إحدى الركائز الجوهرية للرؤية تتمثل في مسار تطوير شامل لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل التنمية المكانية والاقتصادية عبر خطة “الربط الوطني”، التي تتضمن إنشاء طريق يمتد من البريقة إلى الخمس، ومن سرت إلى سبها، بهدف تعزيز الترابط الجغرافي، وتنشيط الحركة الاقتصادية، ودعم الاستقرار الأمني.
ولفت الغرياني إلى أن الجهاز الوطني للتنمية، وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا يشرفان على هذه المشاريع، إلى جانب أعمال تطوير مطارات، من بينها مطار القرضابية في سرت بعد الأضرار التي لحقت به خلال المعارك ضد تنظيم داعش، فضلاً عن تنفيذ أعمال في مطار سبها، وإنشاء ملاعب رياضية في سرت واجدابيا وسبها.
وفي السياق الاقتصادي، بيّن أن الرؤية المصاحبة تركز على تقوية الطبقة الوسطى وإطلاق مبادرات موجهة للشباب، من بينها مبادرة “الوفاء إلى فزان” في سبها، إضافة إلى برامج لإعادة تشغيل منشآت، وتحفيز السوق المحلي، وتوسيع شبكة البنية التحتية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي ودعم جهود تحديث المؤسسة العسكرية في آن واحد.
وشدد على أن المصالحة الوطنية تشكل أحد المرتكزات الأساسية في “رؤية 2030″، موضحاً أن القيادة العامة كلفت لجاناً عسكرية وأمنية بمتابعة هذا الملف، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية ومعالجة آثار الصراعات الاجتماعية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن بناء مجتمع منتج ومستقر يظل رهيناً بإرساء مصالحة شاملة.
وأكد أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً في إدارة السياسة الخارجية عبر توسيع الشراكات الاستراتيجية وتوقيع اتفاقيات تدريب وتطوير، مشيراً إلى تلقي عناصر من القوات المسلحة تدريبات في عدد من الدول، بينها بيلاروسيا وروسيا وباكستان، في إطار مسعى المؤسسة إلى ترسيخ مكانتها كشريك إقليمي فاعل.
وفيما يخص دور الشباب، أوضح الغرياني أن الرؤية تمنحهم موقعاً محورياً من خلال مشاريع تنموية وبرامج تأهيل وتوظيف، إلى جانب مبادرة لإيفاد ألف طالب من جامعة بنغازي لاستكمال تعليمهم الأكاديمي، بهدف إعداد كوادر مؤهلة قادرة على الإسهام في بناء الدولة في مختلف القطاعات.
وأكد أن نجاح “رؤية 2030” يظل مرهوناً بتجاوز الانقسام السياسي الداخلي، وتوفير دعم إقليمي ودولي يحصّن المشروع من أي عرقلة محتملة، مشدداً على أهمية تعزيز العلاقات مع قوى دولية فاعلة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، بما يضمن تمكين المؤسسة العسكرية من أداء دورها المحوري في تحقيق الاستقرار والرخاء في ليبيا.









