ليبيا

الغرياني: رؤية المشير حفتر تقوم على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة

قال الناشط السياسي، عبد الله الغرياني، إن لقاء المعايدة الذي نُظم للقائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، المشير خليفة حفتر، يُعد تقليدًا سنويًا يحرص من خلاله على الاجتماع بمختلف المكونات والتركيبات المجتمعية، موضحًا أن لقاء ثالث أيام عيد الفطر شهد حضورًا واسعًا ضم سياسيين وعسكريين ومشايخ وأعيانًا ومسؤولين من مختلف المدن الليبية، بما يعكس الطيف الحقيقي للمجتمع الليبي وتنوعه الداخلي.

وأضاف الغرياني، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن اللقاء تضمن كلمات متعددة، سواء من العسكريين أو المكونات الاجتماعية أو النشطاء السياسيين والإعلاميين، قبل أن يلقي القائد العام كلمته التي تناولت عدة محاور رئيسية، في مقدمتها التحذير من تصاعد الأوضاع الإقليمية، سواء في الشرق الأوسط أو في محيط ليبيا، خاصة في مناطق مثل النيجر ومالي، إلى جانب التحديات القائمة في البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تستدعي مستوى عاليًا من الوعي والاستعداد، نظرًا لانعكاساتها المباشرة على الداخل الليبي.

وأوضح أن كلمة المشير خليفة حفتر تضمنت دعوة واضحة للأكاديميين والمختصين، لا سيما في مجالات علم النفس والاقتصاد والسياسة، للاضطلاع بدور فاعل في هذه المرحلة، عبر تحريك المجتمع ومواكبة وتيرة التنمية وإعادة الإعمار، من خلال تنظيم لقاءات وندوات وإجراء دراسات معمقة تتناول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والقضايا الملحة، مثل الفقر وغيرها من التحديات، مؤكدًا أن هذه الدعوة تحمل في طياتها تحميلًا مباشرًا للمسؤولية لهذه الفئات الأكاديمية والعلمية من أجل أن القيام بدورها في مواجهة التحديات الراهنة.

كما أشار القائد العام إلى الحاجة الملحة لعقد لقاءات فكرية متخصصة تضم القيادات الأكاديمية والباحثين والسياسيين، كل في مجاله، بهدف الوصول إلى استنتاجات عملية تواكب متطلبات المرحلة وتدعم مسار التنمية في البلاد، لافتًا إلى أن الجمع بين الطابع الاجتماعي والديني للقاء، المتمثل في تبادل التهاني، وبين طرح قضايا استراتيجية مثل المراجعة الوطنية الشاملة، يعكس محاولة لوضع المواطن الليبي أمام واقع المرحلة وتعقيداتها، سواء على صعيد الأزمة السياسية الداخلية أو التوترات الإقليمية المتصاعدة، بما في ذلك تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط والتهديدات المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية، مؤكدًا أن هذه المعطيات تفرض ضرورة تعزيز الوحدة والتكاثف الداخلي لمواجهة التحديات.

وبيّن الغرياني، أن التركيز على ترسيخ الإنجازات الأمنية والتنموية يأتي باعتبارها مكسبًا لا يمكن التفريط فيه، لافتًا إلى أنها تحققت في ظروف شديدة الصعوبة، خاصة في أعقاب أحداث عام 2011 وما تلاها من صراعات مسلحة، وصولًا إلى المواجهات مع الجماعات الإرهابية، والتي انتهت بتحقيق مستوى من الاستقرار الأمني النسبي، خصوصًا في مدينة بنغازي مقارنة بمناطق أخرى لا تزال تشهد توترات مسلحة.

وبينّ الناشط السياسي، أن هذا الاستقرار، إلى جانب ما تحقق من تنمية داخل مختلف القطاعات، سواء الأمنية أو الاقتصادية أو على مستوى تطوير المؤسسات، حظي بإشادة محلية ودولية، مشيرًا إلى أن زيارات السفراء والوفود الأجنبية أكدت أن هذه الجغرافيا تجاوزت مرحلة حرجة، وأن ما تحقق فيها يمثل قاعدة يمكن البناء عليها لتأسيس دولة قادرة على استعادة دورها الإقليمي ومكانتها الاستراتيجية.

واعتبر أن الإشادة بهذه الإنجازات تأتي في سياق الربط بين ما تحقق فعليًا وما هو مطلوب مستقبلًا، خاصة في إطار رؤية 2030 التي تستهدف تطوير المؤسسات العسكرية والأمنية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز هذا المسار والبناء عليه بشكل مستدام.

وفيما يتعلق بالتركيز على دور الجيش، لفت الغرياني، إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت محل ثقة واعتماد لدى المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، مشيرًا إلى أن غياب هذه المؤسسة في فترات سابقة أدى إلى تفاقم الصراعات واندلاع مواجهات دامية شملت تفجيرات واستهدافًا للمرافق الحيوية، وهو ما عزز الحاجة إلى وجود قوة منظمة قادرة على حماية المجتمع.

وأوضح أن الجيش لعب دورًا محوريًا في استعادة الاستقرار، خاصة بعد العمليات العسكرية التي خاضها ضد الجماعات الإرهابية، والتي أسفرت عن تحقيق انتصار ميداني، ما جعله، بحسب تعبيره، يمثل صمام أمان للمجتمع، ليس فقط في الجوانب الأمنية، بل امتد دوره ليشمل دعم مسارات الاستقرار والتنمية.

وأشار إلى أن تعاظم دور الجيش جاء نتيجة حاجة المجتمع إلى جهة قادرة على حماية الإنجازات وضمان استمرارية مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن الوظيفة الأساسية للجيوش تتمثل في حماية المجتمعات والحفاظ على السلم، إلى جانب مواكبة تطلعات المواطنين على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

كما أكد الغرياني، أن الحراك التنموي الذي تشهده البلاد في مجالات البنيان والتطوير يجب أن يترافق مع مسار موازٍ على المستوى الثقافي والفكري والأكاديمي، موضحًا أن هذا التوازي يمثل ضرورة لضمان بناء مجتمع متكامل قادر على استيعاب مخرجات التنمية وترسيخها.

ورأى أن الإشارة إلى هذا المسار الموازي تعكس أهمية عدم الاكتفاء بمظاهر الإعمار المادي، مثل تشييد المباني وإنجاز المرافق الرياضية وتحقيق التطور الاقتصادي، دون وجود حالة ثقافية وفكرية قادرة على إثراء الوعي وصياغة مخرجات أكاديمية يُبنى عليها في تأسيس مجتمع واعٍ، منوهاً إلى أن الحالة الثقافية في المجتمع شهدت تراجعًا ملحوظًا، مرجعًا ذلك إلى سنوات من الاستهداف الذي طال المثقفين والإعلاميين والسياسيين، خاصة خلال فترات سيطرة الجماعات المتطرفة، والتي عملت على تقويض حركة الفكر والرأي من خلال استهداف النخب الفكرية وإضعاف البيئة الثقافية.

وأضاف أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تنشيط هذا المسار عبر توسيع المشاركة الأكاديمية وتنظيم الملتقيات وورش العمل، لافتًا إلى انعقاد عدد من الفعاليات داخل مدينة بنغازي وخارجها، بما في ذلك مؤتمرات تناولت أبعادًا جيوسياسية وأمنية وقدمت قراءات تحليلية للأوضاع في مناطق الساحل والصحراء.

واختتم الغرياني، حديثه بالتأكيد على أن الدفع بهذا الاتجاه بات ضرورة ملحة، معربًا عن اعتقاده بقدرة المجتمع على تأسيس خطاب فكري متماسك ووضع أسس لمرحلة جديدة تستجيب لمتطلبات الواقع والتحديات القائمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى