طلوبة: ضعف القوانين والرقابة يفاقم الفوضى ويعمّق أزمة الشفافية في ليبيا

أكد عبد اللطيف طلوبة، الأستاذ المختص في الاقتصاد، أن ضعف الإفصاح وعدم إظهار الحقائق في ليبيا لا يقتصر على المصرف المركزي، بل يندرج ضمن منظومة أوسع تحكمها ما وصفه بـ “قاعدة الصمت وتجنب الحقيقة”، مشيرًا إلى أن هذا السلوك يمتد إلى مختلف المؤسسات ولا يرتبط بجهة بعينها.
وأوضح طلوبة، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن جذور هذه الظاهرة تتصل بطبيعة السلوك المجتمعي، حيث يُعد “تجنب إظهار الحقيقة” نمطًا متكررًا منذ سنوات، في ظل غياب محاولات جادة لوضع قواعد واضحة تعزز الشفافية والإفصاح. لافتاًً إلى أن المؤسسات لم تنجح حتى الآن في ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على المصارحة وتداول المعلومات بشكل رسمي.
وفيما يتعلق بالمصرف المركزي، استبعد طلوبة أن تكون سياسة التسريبات نهجًا رسميًا، موضحًا أن المؤسسة لا تتعمد إخفاء الحقائق بقدر ما تسعى لتجنب تداعياتها، خاصة المرتبطة بردود فعل الرأي العام والضغوط السياسية والإعلامية.
وأضاف أن التسريبات غالبًا ما تكون سلوكًا فرديًا لا يُعلن عن مصدره، ولا يتحمل أي طرف مسؤوليته، ما يعكس حالة من الحذر والخوف من المساءلة داخل المؤسسات.
وفي سياق متصل، حذر من خطورة تداول معلومات حساسة – خصوصًا المتعلقة بالنقد والسياسات المصرفية – عبر مصادر مجهولة، مقابل غياب البيانات الرسمية، مشيرًا إلى أن بعض المؤسسات تتعامل مع هذه التسريبات باعتبارها معلومات موثوقة، رغم عدم صدورها في شكل بيانات معتمدة.
كما أشار إلى أن هذا الواقع يعكس خللًا في الثقافة الوظيفية، حيث يميل بعض الموظفين إلى الثقة في المعلومات غير الرسمية إذا صدرت عن مصادر شخصية، بدل الاعتماد على القنوات المؤسسية.
واعتبر طلوبة أن عدم عقد المصرف المركزي لمؤتمرات صحفية رغم الإعلان عنها سابقًا يعكس صعوبة مواجهة الأسئلة المباشرة والتعامل مع الحقائق علنًا، وهو ما ينطبق – بحسب رأيه – على عدد من مؤسسات الدولة، في ظل حالة انقسام تؤثر على الأداء الإداري وتكرّس غياب الشفافية وتعزز الاعتماد على قنوات غير رسمية.
وفي تفسيره لجذور الأزمة، أوضح أن المشكلة لا ترتبط بتعمد إخفاء الحقائق بقدر ما تعكس عجز المؤسسات عن مواجهتها، لافتًا إلى أن الكشف عن الحقيقة غالبًا ما يكون أكثر كلفة وصعوبة من الاستمرار في الصمت، خاصة مع كثرة الأخطاء وغياب البيانات الدقيقة، ما يدفع المؤسسات إلى تجنب الإفصاح، في ظل ثقافة تميل إلى إخفاء الأخطاء بدل معالجتها، الأمر الذي يعرقل فرص الإصلاح.
كما تساءل طلوبة عن عدد من الملفات الحساسة، من بينها وضع الاحتياطي النقدي، معتبرًا أن استمرار الصمت قد يشير إلى وجود إشكاليات أو عدم الوصول إلى المستوى الأمثل في إدارتها، حتى وإن لم تكن في وضع حرج بالكامل. وأضاف أن الأزمة تتجاوز المصرف المركزي لتشمل مختلف مؤسسات الدولة، متسائلًا عن غياب نشر بيانات تفصيلية حول الإنفاق والإيرادات من قبل الحكومة والسلطة التشريعية وحتى المؤسسات الأكاديمية، مؤكدًا أن الإفصاح يجب أن يكون التزامًا مؤسسيًا لا خيارًا.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن غياب الإفصاح يعزز انتشار التسريبات، التي قد تنتج عن تواصل غير رسمي بين بعض الموظفين وأطراف فاعلة في السوق، دون أن يعني ذلك وجود سياسة منظمة، موضحًا أن أثر هذه التسريبات غالبًا ما يخدم الفاعلين الأقوى مثل كبار التجار والمضاربين، بينما يكون المواطن العادي الأقل استفادة.
وبيّن أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على ليبيا، لكنها تتفاقم في الدول التي تعاني من ضعف الأطر القانونية والرقابية، حيث يغيب التنظيم وتزداد الفوضى، ما يفتح المجال أمام ممارسات غير منضبطة، من بينها استغلال المعلومات غير الرسمية.
كما أكد أن غياب آليات واضحة لاختيار القيادات العليا وضعف تطبيق القوانين يزيدان تعقيد المشهد، في حين أن تطبيق القوانين بشكل صارم من شأنه الحد من تأثير المضاربين وتعزيز استقرار السوق.
وفي المقابل، استعرض طلوبة نماذج من الدول المتقدمة التي تعتمد الإفصاح المسبق والشفاف عن القرارات الاقتصادية – مثل سياسات أسعار الفائدة – من خلال مؤتمرات صحفية محددة، بما يعزز الثقة ويحد من الشائعات والتسريبات.
واختتم بالتأكيد على أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب بناء منظومة مؤسسية قائمة على الشفافية والالتزام بالقانون، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات حتى مع تحسن الظروف، ومشددًا على أن التغيير لن يتحقق دون خطوات عملية من المجتمع والمؤسسات، في ظل مسؤولية مشتركة، حيث قد تتحول الأخطاء قصيرة المدى إلى أضرار طويلة الأجل تطال الأجيال القادمة.









