اخبار مميزةليبيا

زيدان: قدرة القيادة العامة على إدارة الأمن تفوق التشكيلات المسلحة في الغرب

اعتبر الباحث القانوني والسياسي، فرج زيدان، أن التحركات الأمريكية في ليبيا تندرج ضمن إطار “الاستراتيجية العشرية” التي أعدتها واشنطن بالتعاون بين مؤسساتها الاستخبارية والعسكرية، وعلى رأسها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن في أبريل 2022.

وأضاف زيدان، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن التقارير الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية، التي يُرفع عنها الطابع السري بشكل دوري، تؤكد الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للقارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن ليبيا تمثل محطة مهمة ضمن هذه الخطة، وإن لم تكن تمثل كاملها.

ولفت إلى أن هذه التقارير تعكس قلقًا أمريكيًا مستمرًا من تنامي النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي على الموارد والطاقة على خلفية الحرب في أوكرانيا، وما تمثله القارة من أهمية استراتيجية واقتصادية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

وأشار زيدان، إلى أن الاهتمام الأمريكي بأفريقيا يحظى بتوافق بين الإدارات المتعاقبة، سواء خلال إدارة دونالد ترامب أو إدارة جو بايدن السابقة، نظرًا للاعتبارات التي تقودها المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية، وفي ظل توجه متزايد لدى الدول الأفريقية لإعادة تشكيل علاقاتها الدولية والانفتاح على شركاء جدد مثل الصين وروسيا، مقابل تراجع الثقة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي يُنظر إليها كأطراف ذات إرث استعماري.

وأوضح أن واشنطن تسعى إلى تبني مقاربة جديدة مستلهمة من “خطة مارشال”، بصيغة معدلة تقوم على سياسة الاحتواء والتقارب بدلًا من فرض النفوذ، وتشمل هذه الاستراتيجية دعم الاقتصاد وتعزيز المسار الديمقراطي والانتخابات وحقوق الإنسان، إضافة إلى دعم الإدارة المحلية والبلديات.

وعن التحركات العسكرية، أكد زيدان، أن لها بعدين رئيسيين، أولهما جيوسياسي يرتبط بمواجهة النفوذ الصيني والروسي، حيث تسعى الولايات المتحدة لترسيخ موقع ليبيا ضمن نطاق نفوذها ونفوذ حلف الناتو، مستفيدة من دورها السابق في دعم عمليات مكافحة الإرهاب خلال عملية “البنيان المرصوص” في سرت.

أما البعد الثاني فيتعلق بإنشاء قوة أمنية مشتركة تُعد نواة لتشكيل جسم عسكري جديد، في ظل غياب مشروع عسكري نظامي متكامل في المنطقة الغربية، مع تواجد عدد من الضباط ضمن القيادة العامة للقوات المسلحة أو خارج البلاد.

وأكد زيدان، أن تشكيل هذه القوة يمثل خطوة مهمة لبناء عقيدة عسكرية جديدة ولمواجهة أي تحركات محتملة لشركات أمنية مرتبطة بروسيا، معتبراً أن هذه التحركات تعكس مسعى “جيوسياسيًا” أمريكيًا لمواجهة خصومها الدوليين وإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة.

وأوضح زيدان، أن مسألة توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا “ليست جديدة”، وأن الخطاب السياسي المرتبط بها يوجَّه بالأساس إلى الفاعل الأمريكي ضمن الإطار العام لخطة أوسع.

وفيما يتعلق بجدية حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، اعتبر أنها “غير جادة” في الدفع نحو توحيد الجيش، مؤكدًا أن إرسال قوات إلى سرت لا يُعد دليلًا كافيًا على تلك الجدية.

ولفت الباحث السياسي، إلى أن نجاح أي مشروع لإنشاء قوة مشتركة مرتبط بقدرة الحكومة على معالجة التحديات المتعددة، سواء الدولية المرتبطة بمواقف القوى الكبرى، أو الداخلية المتعلقة ببنية المشهد العسكري في ليبيا، بما في ذلك طبيعة التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية وغياب البنية العسكرية النظامية.

وأضاف أن من أبرز التحديات تتمثل في الطبيعة الأممية للمسار، إذ يفترض أن تكون القوة المشتركة ضمن مخرجات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) وتحت إشراف البعثة الأممية، ما يستدعي لاحقًا اعتمادها من مجلس الأمن الدولي الذي يضم أطرافًا تُعد خصومًا جيوسياسيين للولايات المتحدة مثل روسيا والصين، وهو ما قد يعرقل تمرير المشروع، بالإضافة إلى إشكالية القيادة والسيطرة، مع عدم وضوح الجهة التي ستتبع لها القوة المشتركة، فضلاً عن الطبيعة الميليشياوية للتشكيلات المسلحة التي تمتلك القوة في المنطقة الغربية.

ورأى زيدان، أن نجاح القيادة العامة للقوات المسلحة في تأمين الحقول النفطية والحدود الاستراتيجية يعكس مستوى عالياً من الكفاءة، مشيرًا إلى أن هذا النجاح يشمل دعم الأجهزة الأمنية، بما في ذلك وزارة الداخلية، ويؤكد قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة الملف الأمني بشكل أوسع.

كما أكد أن التطور المؤسسي للمؤسسة العسكرية، من خلال تعيين نائب للقائد العام ورئاسة أركان وهيكل قيادي متكامل، يجعلها قادرة على الاستمرار في أداء مهامها حتى في حال غياب القائد العام، معتبرًا أن ربط المؤسسة بشخص واحد لم يعد يعكس الواقع الحالي.

وحذر زيدان، من أن التحركات الأمريكية في الملف الليبي تزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري، وتضع بعثة الأمم المتحدة في موقف حرج، في ظل تصورات بعض الأطراف والنخب بأن المنظمة الدولية تحت تأثير واشنطن.

وبينّ أن هذه المشاريع الأمريكية ضمن غطاء أممي قد لا تلقى قبولًا لدى قوى دولية مثل روسيا والصين وأطراف أوروبية من بينها فرنسا، ما يزيد من صعوبة تحقيق تقدم في المسار السياسي.

ولفت زيدان، إلى أن جذور الأزمة الليبية تتعلق بنموذج الدولة المركزية، الذي فشل بعد 2011 في إدارة التوازنات الداخلية وأسهم في تعميق الصراع بين الفاعلين، داعيًا إلى إعادة النظر في شكل الدولة والتوجه نحو نموذج بديل، مثل النظام الاتحادي، يسمح للأقاليم بإدارة شؤونها ضمن أطر محلية مع الحفاظ على وحدة الدولة، مؤكدًا أن الاستمرار في النمط المركزي قد يؤدي إلى تجدد الصراع حتى مع تهدئة مؤقتة.

وأكد زيدان في ختام حديثه، أن أي تسوية سياسية في ليبيا لا يمكن أن تتجاوز مسألة تقاسم السلطة بين الأطراف المختلفة، لكنه شدد على أن نجاح أي صيغة يعتمد على إنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة، مشيرًا إلى أن الأزمة الليبية “أمنية بالدرجة الأولى قبل أن تكون سياسية”، وأن جذورها تشمل أيضًا إشكالية أعمق تتعلق بهوية الدولة، داعيًا إلى نقاش وطني موسع حول هذا الملف لضمان مستقبل مستقر للبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى