ليبيا

أبوديب: صراعات المنفي والدبيبة تعرقل توحيد المؤسسات

أكد المحلل السياسي ناصر أبوديب أن الاعتماد على الأمنيات أو الأطروحات الإنشائية لا يمكن أن يقود إلى بناء مؤسسات حقيقية، أو إلى تأسيس دولة قادرة على مواجهة التحديات، مشدداً على أن أي مسار إصلاحي يتطلب أدوات واضحة وآليات قابلة للتنفيذ، وليس مجرد شعارات إعلامية مؤقتة.

وأوضح أبوديب، في مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، أن الدعوات المتكررة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، سواء من رئيس المجلس الرئاسي أو من جهات سيادية أخرى، تثير تساؤلاً محورياً يتعلق بتوقيت إعادة طرح هذا الملف في المرحلة الراهنة، متسائلاً عن الأسباب التي دفعت إلى فتحه الآن، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على المشهد السياسي نفسه دون تغييرات جوهرية في هذا الاتجاه.

واعتبر أن الإجابة عن هذا التساؤل تمثل مدخلاً أساسياً لفهم ما يجري حالياً، كما تساعد في قياس مدى جدية هذه التحركات وقدرتها على تحقيق نتائج فعلية على الأرض.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن أي جهة تعلن سعيها لمكافحة الفساد أو إنقاذ البلاد مطالبة بتقديم تصور واضح حول الآليات التي ستعتمدها، متسائلاً عن الإمكانيات والصلاحيات المتاحة للمجلس الرئاسي لتنفيذ مثل هذه الأهداف. كما شدد على أن غياب الإجابات الدقيقة قد يحول هذه الأطروحات إلى مجرد مادة إعلامية تُتداول لفترة قصيرة قبل أن تتلاشى دون أثر ملموس، وهو ما تكرر – بحسب قوله – في تجارب سابقة.

ولفت أبوديب إلى احتمال وجود تأثيرات أو ضغوط خارجية ساهمت في تحريك هذا الملف من قبل المجلس الرئاسي، مستشهداً ببعض القضايا التي شهدت تدخلاً دولياً مثل ملف توحيد الميزانية، إضافة إلى ما تم تداوله بشأن مبادرات دولية غير معلنة.

وأكد أن هذه الفرضيات، سواء ثبتت صحتها أو لم تثبت، تستوجب توضيحاً رسمياً، لأن استمرار حالة الغموض قد يبقي الوضع على ما هو عليه، بل وربما يقود إلى صدمات سياسية واقتصادية جديدة.

وحول تحركات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، خاصة تصريحاته المتعلقة بالفساد في ظل الانقسام ودعوته إلى احترام الاتفاق السياسي وحشد الدعم الداخلي، طرح أبوديب تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوات تندرج ضمن تحرك استباقي لإعادة تشكيل المشهد السياسي، خصوصاً مع تزايد الحديث عن مبادرات أو تسويات دولية محتملة.

ووصف أبوديب وتيرة التحركات الأخيرة لرئيس المجلس الرئاسي بأنها متسارعة ومثيرة للشكوك، لاسيما في ظل غياب مواقف واضحة من بقية أعضاء المجلس مثل موسى الكوني وعبد الله اللافي، وهو ما قد يعكس، وفق تقديره، وجود تباينات داخلية قد تعرقل أي مسار إصلاحي أو تثير تساؤلات حول وحدة القرار داخل المجلس.

كما تطرق إلى مسألة التحذير من الوصاية الأجنبية، مؤكداً رفضه لأي تدخل خارجي أو حلول مفروضة من الخارج، خصوصاً تلك التي قد تؤدي إلى إعادة إنتاج شخصيات يُتهم بعضها بالفساد.

وفي المقابل، أشار أبو ديب إلى أن الصراعات الداخلية بين المؤسسات الليبية، ولا سيما بين حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، تلقي بظلالها على مسار توحيد المؤسسات، مستشهداً بالتوترات الأخيرة وتبادل المراسلات بين الطرفين بشأن عدد من الملفات، من بينها إدارة البعثات الدبلوماسية.

وأكد أن هذه الخلافات تعكس عمق الأزمة السياسية وتبرز حجم التحديات التي تواجه أي محاولة للإصلاح أو إعادة ترتيب المشهد، في ظل تداخل المصالح وتضارب الصلاحيات بين الأطراف المختلفة.

وفي ختام حديثه، اعتبر أبوديب أن الوضع لا يزال يراوح مكانه، مرجحاً أن بعض القوى السياسية تسعى إلى استباق أي تطورات محتملة من خلال حشد أكبر عدد ممكن من الفاعلين على الأرض تحسباً لأي تغييرات قد تطرأ على المشهد.

كما أشار إلى تصريحات المنفي التي أبدى فيها استعداده للتنحي إذا كانت الأزمة مرتبطة بشخصه، موضحاً أن جوهر المشكلة يتجاوز الأفراد ليكمن في معادلة معقدة تقوم على تقاسم النفوذ بين المال والسلاح.

وبيّن أن هذه المعادلة تتيح للأطراف التي تمتلك الموارد المالية الوصول إلى أدوات القوة، بينما يضمن السلاح بدوره استمرار النفوذ والسيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما يكرّس حالة الجمود ويعقّد أي محاولة للانتقال نحو دولة المؤسسات والقانون، ما لم يتم التعامل مع هذه الإشكالية بشكل جذري وشامل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى