السلامي: تشكيل حكومة موحدة نقطة مفصلية نحو الاستقرار في ليبيا

قال أستاذ العلاقات الدولية، مسعود السلامي، إن الحراك السياسي والاقتصادي والعسكري الجاري في ليبيا خلال المرحلة الحالية يُعد حراكاً إيجابياً نسبياً، رغم استمرار التحديات المرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، والتي وصلت إلى مستويات دنيا من المعاناة.
وأوضح السلامي، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة24″، أن هذا الحراك يأتي في سياق يتسم بضعف أو غياب فاعلية المؤسسات الرسمية، إلى جانب تراجع قدرتها على تقديم حلول داخلية للأزمة، وهو ما ساهم، في بروز المسار الدولي كخيار يفرض نفسه بقوة داخل المشهد الليبي.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الرعاية الأمريكية للعملية السياسية، بغض النظر عن الجدل حول دوافعها، قد أسهمت في تحقيق تقدم ملموس، من أبرز مظاهره التوصل إلى اتفاق لتوحيد الإنفاق العام، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تطوراً مهماً قد يفتح الباب أمام إجراءات لاحقة تتعلق بضبط آليات الصرف والحد من الفساد المالي.
وأضاف أن التحركات المرتبطة بمصرف ليبيا المركزي، بما في ذلك التنسيق مع مؤسسات مالية دولية، قد تقود إلى وضع أطر أكثر انضباطاً للإنفاق العام، بما يعزز مستويات الشفافية ويحد من الاختلالات المالية القائمة.
وفي الشق العسكري، لفت السلامي إلى أن تمرين “فلينتلوك 2026″، الذي يُنظم برعاية القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” وبمشاركة دولية، وبحضور أطراف عسكرية ليبية من الشرق والغرب، يعكس مؤشرات إيجابية على مستوى التقارب بين المكونات العسكرية الليبية.
وأكد أن هذا النوع من المشاركة المشتركة قد يفتح المجال أمام خطوات عملية تتعلق بحماية الأمن القومي الليبي، فضلاً عن تكريس إدراك متزايد بأن ليبيا جزء من منظومة إقليمية ودولية مترابطة وليست بمعزل عنها.
وشدد السلامي على أن الدور الأمريكي يظل عاملاً محورياً في هذا المسار، معتبراً أنها الجهة الأكثر قدرة على ضمان تنفيذ التفاهمات ومنع أي تراجع عنها في مراحل لاحقة.
أما على الصعيد السياسي، فأشار إلى أن الأولوية في المرحلة الحالية لا تتمثل في إجراء انتخابات عاجلة، بقدر ما ترتكز على تعزيز الوحدة الوطنية وبناء توافق سياسي بين الأطراف الفاعلة، بما يمهد لتحقيق قدر من الاستقرار. مؤكداً أهمية تشكيل حكومة موحدة تحظى بقبول القوى المؤثرة على الأرض، معتبراً أن هذا الخيار يمثل المدخل الحقيقي لأي تحول سياسي فعلي في ليبيا خلال المرحلة المقبلة.
كما أوضح أن العملية التي تقودها الولايات المتحدة في ليبيا تُعد عملية شاملة في مساراتها، حتى وإن وُصفت بأنها محدودة من حيث الأطراف المشاركة، لافتاً إلى أن بعض المؤسسات القائمة ساهمت في تعقيد المشهد السياسي بدلاً من تسهيله.
وبينّ السلامي، أن مجلسي النواب والدولة، إلى جانب أطراف سياسية أخرى، يتحملون جزءاً كبيراً من مسؤولية تدهور الوضع القائم، مشيراً إلى أنه لا يرى جدوى من إشراك هذه المؤسسات في أي تسوية جديدة، ومرجحاً خيار تحييدها باعتبارها جزءاً من الأزمة وليست جزءاً من الحل.
واعتبر أن طرح مفهوم “السيادة” أو خيار “الحل الليبي – الليبي” لم يعد واقعياً في المرحلة الراهنة، مؤكداً أن ليبيا باتت مضطرة للتعامل مع المسار الدولي باعتباره الخيار الأكثر قابلية للتطبيق حالياً.
وأشار إلى أن العملية الجارية تحمل طابعاً تأسيسياً يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي تدريجياً، موضحاً أن توحيد الإنفاق العام يمثل خطوة أولى يتبعها مسار أوسع يشمل تعزيز الرقابة المالية، وتطوير التنسيق العسكري، والتقدم في ملفات الأمن القومي والغذائي والمائي.
كما لفت إلى أن أي تقدم في ملف تشكيل حكومة موحدة سيُعد نقطة تحول مفصلية في اتجاه الاستقرار، باعتبارها قاعدة لانطلاق عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
وفي سياق متصل، أكد السلامي أن تجاوز بعض الأطراف السياسية في المسار الحالي يعكس، من وجهة نظره، إدراكاً دولياً – خصوصاً من جانب الولايات المتحدة – بتراجع شرعية تلك الكيانات وفقدانها التأثير الفعلي، مشيراً إلى أن الشارع الليبي لم يعد يمنحها الثقة السابقة.
واختتم السلامي حديث بالتأكيد على أن هذا المسار، رغم ما يواجهه من تباطؤ، يمثل بداية لتحول إيجابي طال انتظاره، مشدداً على أن نجاحه مرهون بالاستمرار في خطوات تدريجية تستهدف توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار في البلاد.









