بو سعيدة: استضافة سرت لمناورات “فلينتلوك” تتويج لسنوات من الاستقرار الأمني

قال المحلل السياسي، عمر بو سعيدة، إن اختيار مدينة سرت لاستضافة مناورات “فلينتلوك 2026” بمشاركة نحو 30 دولة وما يقارب 1500 جندي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تمرينًا عسكريًا تقليديًا، بل يمثل مشروعًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد.
وأوضح بو سعيدة، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة24″، أن هذا التمرين يعكس أبعادًا أمنية وسياسية واقتصادية في آن واحد، مشيرًا إلى أن ليبيا تُعد بوابة استراتيجية نحو أوروبا وتتمتع بساحل طويل وحدود مفتوحة، ما يجعل تأمينها عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الإقليمي، لافتًا إلى أن القوات المسلحة الليبية لعبت دورًا مهمًا في تأمين هذه الحدود وإظهار قدرة تنظيمية وفاعلية في هذا المجال.
وأضاف أن الجانب العسكري من التمرين يعكس نموذجًا لتنظيم القوات المسلحة خلال السنوات الماضية، إلى جانب إتاحة فرصة لتعزيز التقارب مع قوى نظامية في المنطقة الغربية، بما قد يسهم في خلق حالة من التوازن العسكري بين مختلف الأطراف.
وفي البعد السياسي، اعتبر بو سعيدة، أن التمرين يحمل رسائل تتعلق بإدارة التوازنات الدولية والإقليمية، وانعكاس ذلك على الداخل الليبي من خلال دعم مسار احتواء الجميع وتنظيم الصفوف سياسيًا.
أما على الصعيد الاقتصادي، فأشار بو سعيدة، إلى أن حجم التنظيم والمشاركة الدولية في التمرين يبعث برسائل إيجابية للمستثمرين، مفادها وجود مؤسسة عسكرية قادرة على فرض الأمن والاستقرار، وهو ما قد ينعكس على جذب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق باختيار سرت، أوضح بو سعيدة، أن المدينة مرت بظروف صعبة خلال سنوات الحرب، قبل أن تشهد تحولًا كبيرًا بعد سيطرة القوات المسلحة، حيث دخلت مرحلة إعادة إعمار وتنفيذ مشاريع استراتيجية عبر صندوق التنمية، شملت مشاريع اقتصادية كبرى ذات تأثير مباشر على الاقتصاد الليبي.
وتابع: مدينة سرت باتت تمثل منطقة ذات طابع خاص، وموقعًا محايدًا نسبيًا بين الأطراف، مشيرًا إلى مشاريع مثل المنطقة الحرة وميناء سرت ومطار القرضابية، إضافة إلى طريق سرت – سبها، والتي تعزز الربط بين شمال ليبيا وجنوبها، وتمتد آثارها إلى ربط محتمل بين أوروبا وإفريقيا.
ورأى بو سعيدة، أن هذه التطورات تعكس تحول مدينة سرت من ساحة صراع إلى مدينة آمنة تشهد مشاريع استراتيجية كبرى، وهو ما يشكل مؤشرًا إيجابيًا على مستوى الاستقرار ودور المؤسسة العسكرية في هذا التحول.
وقال إن ما تحقق في ملف مكافحة الإرهاب في ليبيا جاء نتيجة جهود متراكمة للقيادة العامة للقوات المسلحة خلال سنوات من العمليات العسكرية، والتي أسهمت في فرض الأمن والاستقرار، وتأمين الحدود الليبية الممتدة مع دول الجوار، رغم التحديات المرتبطة بانتشار التشكيلات المسلحة، والجريمة المنظمة، وملف الهجرة غير الشرعية.
وأوضح بو سعيدة، أن القوات المسلحة الليبية تمكنت من إثبات قدرتها على فرض السيطرة الأمنية على الأرض، ومواجهة التنظيمات الإرهابية، إلى جانب إدارة ملفات أمنية معقدة، معتبرًا أن هذه الجهود تحتاج إلى استثمار أكبر بما ينعكس على استقرار الدولة الليبية.
وأضاف أن التمرين العسكري يمثل تتويجًا للمراحل السابقة من عمل القوات المسلحة في مجالات مكافحة الإرهاب وفرض الأمن، إلى جانب تعزيز قدراتها في الجنوب ومناطق التحديات الأمنية، مشيرًا إلى أنه يعكس أيضًا إثباتًا لقدرة المؤسسة العسكرية على فرض الاستقرار ومكافحة الجريمة والهجرة غير الشرعية.
وفي سياق متصل، أشار بو سعيدة، إلى تقارير دولية سابقة، من بينها جهات أمريكية، ووصفت القيادة العامة بأنها “شريك حقيقي”، معتبرًا أن هذا التوصيف يعكس تحولًا في نظرة بعض القوى الدولية للمؤسسة العسكرية في ليبيا، لافتًا إلى وجود تواصل وتفاهمات مع أطراف دولية وإقليمية مختلفة.
وأكد أن هذه التراكمات لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة سنوات من العمل العسكري والسياسي، ما أدى إلى بناء علاقات خارجية وصفها بالمهمة، انعكست على موقع المؤسسة العسكرية في المشهد الإقليمي والدولي.
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، قال بو سعيدة، إن الولايات المتحدة أعادت وضع الملف الليبي ضمن أولوياتها، في ظل اعتبارات جيوسياسية تتعلق بموقع ليبيا الاستراتيجي المطل على أوروبا والمتصل بالعمق الإفريقي، إضافة إلى التنافس الدولي في القارة الإفريقية. مبيناً أن الرؤية الأمريكية تجاه ليبيا لم تعد مقتصرة على الجانب السياسي أو الاقتصادي فقط، بل أصبحت رؤية شاملة تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الليبي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في إفريقيا، مشيرًا إلى أن ذلك يتقاطع مع وجود قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين.
ولفت إلى أن هذا التوجه الأمريكي يهدف إلى تحقيق توازن بين القوى الفاعلة في ليبيا، بما يقود إلى تسوية سياسية تفضي إلى مرحلة أكثر استقرارًا، معتبرًا أن التعاون العسكري المتعدد الجنسيات يعكس تحولًا في النظرة الدولية إلى ليبيا كشريك أمني موثوق.
وختم بو سعيدة، بالإشارة إلى أن تصاعد التعاون العسكري والاستخباراتي بين ليبيا وعدة دول يعزز فكرة أن المؤسسة العسكرية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في المعادلة الليبية، وفي مواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب وأمن الطاقة والهجرة غير الشرعية، بما ينعكس على الاستقرار الإقليمي والدولي.









