العبود: مناورات «فلينتلوك» تعيد الاعتبار لدور الجيش كضامن للعملية السياسية
قال الأكاديمي والباحث السياسي، أحمد العبود، إن استضافة ليبيا للمناورة العسكرية متعددة الجنسيات في مدينة سرت تحمل دلالات سياسية وأمنية واستراتيجية واسعة، معتبرًا أن حجم المشاركة ومستوى التنظيم يعكسان جاهزية المؤسسة العسكرية للعمل ضمن منظومات متقدمة، ورسائل تتجاوز البعد التدريبي التقليدي إلى أبعاد سياسية أعمق.
وأوضح العبود، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن تزامن دلالة المكان والحدث وطبيعة التمرين يعكس، بحسب وصفه، نجاحًا يتجاوز كونه نشاطًا عسكريًا تدريبيًا، ليشكل رسالة سياسية تعيد، من وجهة نظره، الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأساسي لنجاح أي عملية سياسية مستقبلية، سواء على مستوى تشكيل الحكومات أو إجراء الانتخابات.
وأضاف أن التجارب السابقة خلال المراحل الانتقالية أظهرت، وفق تقديره، أن إهمال البعد الأمني والعسكري أدى إلى تعثر المسارات السياسية، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية تمثل “قاعدة الهرم” في استقرار الدولة الليبية، وأن استعادة هذا الدور يعزز فرص الاستقرار ووحدة البلاد.
وأشار العبود، إلى أن استضافة هذا التمرين في سرت، المدينة التي كانت في وقت سابق، بحسب تعبيره، مرتبطة بوجود تهديدات إرهابية، تعكس تحولًا في وظيفتها نحو كونها مساحة لتعزيز الأمن والسيادة، معتبرًا أن ذلك يمثل خطوة في اتجاه توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
كما أكد أن هذا التطور يحمل رسائل دولية، إلى جانب الرسائل العسكرية والأمنية، تتعلق بقدرة المؤسسة العسكرية الليبية على لعب دور في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، مشيرًا إلى أن ذلك ينسجم مع تحديات الأمن الإقليمي في المنطقة الممتدة من السودان إلى غرب أفريقيا والعمق الأفريقي.
ولفت العبود، إلى أن مشاركة أكثر من 33 دولة في هذا التمرين تعكس، بحسب رأيه، توجهًا دوليًا متزايدًا نحو التكتلات الأمنية الإقليمية، وتطوير مقاربات دفاعية مشتركة لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في القارة الأفريقية ومنطقة المتوسط.
واعتبر أن ما جرى في سرت يبعث، وفق وصفه، برسالة مفادها أن ليبيا باتت قادرة على الانتقال من موقع المتلقي للتحديات الأمنية إلى موقع الشريك الفاعل في صياغة معادلات الأمن والسلم الإقليمي، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية الليبية تمثل عنصرًا محوريًا في هذا التحول.
وقال إن المناورات العسكرية التي استضافتها مدينة سرت يمكن أن تسهم في تطوير العقيدة القتالية للجيش الليبي، خصوصًا في مجالات العمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب، معتبرًا أنها تمثل خطوة عملية في اتجاه بناء مؤسسة عسكرية وفق معايير وتقاليد الجيوش الحديثة.
وأوضح العبود، أن التمرين العسكري ضم مدارس عسكرية متعددة، من بينها المدرسة الأمريكية والفرنسية، إضافة إلى التجربة الأفريقية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب خبرات ميدانية مكتسبة من تجارب محلية خاضتها القوات الليبية في بنغازي ودرنة والجبل الغربي والهلال النفطي، وكذلك في الجنوب والحدود مع دول الجوار.
وأضاف أن هذه التجارب المتنوعة، بما في ذلك العمليات المشتركة السابقة في مواجهة تنظيم “داعش” في سرت، أسهمت في تشكيل خبرات تراكمية لدى مختلف التشكيلات العسكرية في ليبيا، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب، مشيرًا إلى أن هذه الخبرات تمثل أرضية لتطوير العمل العسكري المشترك.
وأشار العبود، إلى أن المؤسسة العسكرية الليبية، بحسب وصفه، باتت منفتحة على التعاون مع مدارس عسكرية متعددة، تشمل تجارب روسيا وباكستان وتركيا ومصر والأردن، إضافة إلى التعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا، معتبرًا أن هذا التنوع يمنح الجيش الليبي فرصة لاكتساب خبرات جديدة في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ولفت إلى أن هذا التعاون العسكري يتقاطع مع جهود سابقة للتنسيق الأمني بين بعض التشكيلات العسكرية الليبية في الشرق والغرب، خصوصًا في ملفات تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة وتأمين بعض الممرات الحيوية، مشيرًا إلى أن هذه التجارب يمكن البناء عليها لتطوير تعاون أوسع.
وأكد العبود، أن تعدد المدارس والخبرات العسكرية في ليبيا، إلى جانب الانفتاح على شراكات إقليمية ودولية، يسهم في تطوير قدرات المؤسسة العسكرية ويعزز جاهزيتها، خاصة في ظل التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها البلاد والمنطقة.
كما شدد على أن هذه التطورات تأتي في سياق أوسع يرتبط بإمكانية تأمين بيئة مناسبة لأي استحقاق سياسي قادم، بما في ذلك الانتخابات التشريعية والرئاسية، معتبرًا أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب إطارًا أمنيًا متفقًا عليه.
وفي سياق متصل، أشار العبود، إلى أهمية التعاون الأمني على المستوى القاري، نظرًا لموقع ليبيا الجغرافي باعتبارها بوابة نحو أوروبا، وفي ظل التداخل الأمني مع دول الجوار مثل السودان وتشاد والنيجر، التي تواجه تحديات مرتبطة بالنزاعات الداخلية والجماعات المسلحة.
وأضاف أن التغيرات في البيئة الإقليمية والدولية، وما وصفه بإعادة تشكيل النظام الدولي، تفرض، بحسب رأيه، تعزيز التحالفات الأمنية والعسكرية، بما ينعكس إيجابًا على تطوير المؤسسة العسكرية الليبية ودورها في مكافحة التهديدات العابرة للحدود، وصولًا إلى مقاربة تقوم على “الأمن الجماعي” في المنطقة.
وقال إن التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي وتزايد التنافس بين القوى الكبرى تفرض على ليبيا استثمار موقعها الاستراتيجي بما يعزز حضورها في المعادلة الإقليمية والدولية، دون الانجرار إلى محاور الصراع، وبما يخدم هدف بناء مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على حماية السيادة وتحقيق الاستقرار.
وأوضح العبود، أن المسارات الدولية الجارية، بما في ذلك ما يُعرف بالمسار الأمريكي الذي يقوده مسعد بولس، تقوم على مقاربة “مؤسساتية” ترتبط بعدة مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية والمالية، مشيرًا إلى أن كل مسار يستند إلى مؤسسات أمريكية داعمة، من بينها وزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي ومنتديات مشتركة.
وأضاف أن هذا التوجه يرتكز على دعم أطراف ليبية رئيسية، من بينها القيادة العامة للقوات المسلحة وحكومة الوحدة الوطنية ووزارة الدفاع، إلى جانب دعم دولي وإقليمي يرى، بحسب قوله، أن ليبيا باتت مؤهلة لتكون منصة للاستقرار والاستثمار ورافدًا مهمًا للاقتصاد الدولي، خاصة في قطاع الطاقة.
وأشار العبود، إلى أن ليبيا تُعد جزءًا من أنظمة إقليمية متعددة، تشمل شمال أفريقيا والفضاء العربي والامتداد الأفريقي، معتبرًا أن هذا الموقع الجغرافي يمنحها دورًا محوريًا في التوازنات الأمنية، خاصة في ظل التهديدات العابرة للحدود وتداخل الأزمات في دول الجوار.
وفي سياق متصل، لفت العبود، إلى أن المؤسسة العسكرية الليبية، بحسب وصفه، باتت طرفًا أساسيًا في التصورات الدولية المتعلقة بإعادة الاستقرار، مشيرًا إلى وجود تصنيفات وخطط تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز التكامل بين مختلف التشكيلات في شرق وغرب البلاد، بما يضمن بناء منظومة دفاعية مشتركة.
وأوضح أن المسار المطروح يتضمن مراحل زمنية متدرجة، تبدأ بتوحيد المؤسسات المالية، ثم المؤسسات الأمنية والعسكرية، على أن يأتي المسار السياسي في مرحلة لاحقة، معتبرًا أن التقدم في المسار العسكري والأمني هو الأسرع والأكثر قابلية للتنفيذ.
وأضاف أن هناك ثلاثة مداخل رئيسية لتوحيد المؤسسة العسكرية، تتمثل في المدخل الوظيفي القائم على توزيع المهام والتعاون الميداني، والمدخل المؤسسي المرتبط ببناء الهياكل العسكرية الموحدة، إلى جانب مدخل تطوير العقيدة العسكرية وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى تمتد حتى عام 2030، وتهدف إلى بناء جيش حديث وذكي.
وأكد العبود، أن استضافة مدينة سرت للأنشطة العسكرية الأخيرة تمثل، بحسب تقديره، رسالة واضحة على قدرة ليبيا على توفير بيئة آمنة للاستثمار والتنمية، مشيرًا إلى أن ما تحقق في المسار العسكري والتنموي يعزز من موقع البلاد كطرف فاعل في النظام الدولي.
وختم العبود، بالإشارة إلى أن ليبيا أمام “فرصة تاريخية” للاستفادة من التحولات الدولية الراهنة، داعيًا إلى تعزيز الاستفادة من التغيرات في أسواق الطاقة والصراعات الدولية بما يسهم في دعم استعادة الدولة وبناء مؤسساتها على أسس مستقرة وفاعلة.









