اخبار مميزةليبيا

الديباني: مبادرة بولس واقعية وتتجاوز أخطاء المسارات السياسية السابقة

قال المحلل السياسي، عبد الله الديباني، إن دعم مبادرة المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، يستند إلى كونها مبادرة قائمة على الواقعية السياسية في المشهد الليبي.

وأوضح في حديث لقناة “المسار”، رصدته “الساعة24″، أن جوهرها يختلف عن المسارات السابقة التي اعتمدت على الاتفاقات واللقاءات المتعددة، بدءًا من جولات الحوار الأولى، مرورًا بمسارات جنيف وبوزنيقة والقاهرة وبرلين بنسختيها الأولى والثانية، والتي ركزت على البعد السياسي دون التعمق في الملفات الاقتصادية والأمنية.

وأضاف الديباني، أن الأزمة الليبية بطبيعتها مركبة، إذ تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، مشيرًا إلى أن المبادرة الحالية تميزت بملامستها المباشرة لهذه الجوانب، وهو ما يجعلها أقرب إلى الواقع الليبي مقارنة بالمسارات السابقة.

وأكد أن الاستقرار السياسي لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار الإشكاليات الاقتصادية والأمنية، لافتًا إلى أن المواطن الليبي بات معنيًا بشكل أساسي بتحسن الوضع المعيشي وتحقيق انتعاش اقتصادي، في ظل ما وصفه بالضغوط الاقتصادية الثقيلة التي يتحملها.

وذكر الديباني، أن المبادرة انطلقت من الجانب الاقتصادي عبر إجراءات رقابية ومراجعة لملفات مصرف ليبيا المركزي باعتباره “بيت مال الليبيين”، إلى جانب الدفع نحو توحيد الإنفاق العام وتوزيع الإيرادات بشكل عادل، فضلًا عن معالجة ملف النقد الأجنبي وتخفيف القيود، وهو ما أسهم في تحقيق انتعاش اقتصادي أولي.

وتابع: أما الشق الأمني فقد تجسد من خلال المناورات العسكرية التي أُقيمت في مدينة سرت، واختيارها كموقع لتمرين دولي بمشاركة أطراف أوروبية وأمريكية ودول من العمق الأفريقي، معتبرًا أن ذلك يعكس تحول ليبيا من ساحة صراع إلى فضاء شراكة أمنية إقليمية ودولية.

كما أشار إلى أن مشاركة قوات من شرق وغرب البلاد جنبًا إلى جنب في تدريبات موحدة تمثل سابقة مهمة، وتعكس توجهًا نحو بناء منظومة أمنية مشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة.

وفي الجانب السياسي، شدد الديباني على ضرورة إشراك الأطراف الفاعلة على الأرض من قوى سياسية وشخصيات وطنية وأكاديمية، مؤكدًا أن الاتفاقات “المعلبة” التي تُصاغ خارج السياق الليبي لا يمكن تطبيقها عمليًا، داعيًا إلى تبني مقاربة واقعية تنطلق من خصوصية الوضع الليبي.

كما لفت إلى أن ليبيا لا يمكن فصلها عن التغيرات الإقليمية والدولية، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب التوازنات بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط، موضحًا أن الأزمة تتأثر مباشرة بالتطورات الدولية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتوترات الأمريكية الإيرانية والتجاذبات الإقليمية الأخرى.

وأضاف أن هذه المتغيرات دفعت نحو صياغة مبادرة تستثمر الموقع الاستراتيجي لليبيا لبناء شراكات اقتصادية وأمنية إقليمية، وهو ما بدأت ملامحه تظهر تدريجيًا من خلال المبادرة الحالية التي تربط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

وفيما يتعلق بدور البعثة الأممية، قال الديباني إنها بدأت تتجه نحو التخلي عن مسار الحوار المهيكل التقليدي لصالح التفاعل مع المبادرات الجديدة، معتبرًا أن ذلك يعكس إدراكًا دوليًا بضرورة اعتماد مقاربات أكثر واقعية لمعالجة الأزمة الليبية.

وأشار إلى أن الأجسام السياسية، بما فيها المجلس الرئاسي ومجلسي النواب والدولة، مُنحت فرصًا متكررة للوصول إلى الاستقرار السياسي منذ اتفاق الصخيرات وحتى جنيف، غير أن هذه المسارات – بحسب قوله – كانت كلما اقتربت من التفاهم تعود مجددًا إلى حالة الانقسام، مرجعًا ذلك إلى تركيزها على البعد السياسي فقط دون معالجة الأبعاد الاقتصادية والأمنية.

وأضاف أن بعض الأطراف السياسية في غرب البلاد، والتي وصفها بـ “حزب التشكيك والمعارضة”، وجدت نفسها أمام خيارين: إما الاندماج في مسار الاستقرار أو البقاء خارجه، مشيرًا إلى أنها اختارت البقاء خارج دائرة التوافق، ما يفسر حالة الرفض القائمة تجاه المبادرة.

وفي هذا الإطار، أوضح الديباني أن بعض الخطابات، بما فيها ما يُنسب إلى جهات دينية أو مؤسسات توجيهية، تحولت – بحسب وصفه – إلى أدوات ذات طابع سياسي، ما يعكس شعورًا بالقلق لدى تلك الأطراف بعد تراجع تأثيرها في المشهد.

وأكد أن هذه التحركات تأتي في ظل دعم دولي واضح للمبادرة، وعلى رأسه الدعم الأمريكي، مشيرًا إلى أن الرفض لم يعد يقتصر على بيانات سياسية، بل امتد إلى دعوات لبعض التشكيلات المسلحة للخروج وإعلان الموقف، وهو ما اعتبره انتقالًا من التعبير السياسي إلى التحريض على تحركات ميدانية.

وأضاف أن هذه الدعوات تصدر عن أطراف تسعى إلى إطالة أمد الأزمة للحفاظ على مواقعها السياسية، معتبرًا أن بعض القوى تتعامل مع المشهد وفق منطق “إما البقاء أو إرباك المسار”.

وفي المقابل، رأى الديباني أن وجود وعي “مدني أو عسكري” في غرب ليبيا من شأنه دعم المبادرة باعتبارها الأقرب إلى الواقع، مشيرًا إلى أن دعوات الرفض أو التعبئة لن يكون لها أثر فعلي في تغيير الاتجاه العام.

وفي سياق متصل، قال إن المجتمع الدولي إلى جانب أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر والسعودية ومصر يدعم هذه المبادرة، وهو ما من شأنه أن يسهم في “لجم” الأطراف المعارضة التي خرجت من إطار التوافق السياسي.

وحول ضمانات التنفيذ، أوضح الديباني أن الحديث لم يعد عن مرحلة إطلاق المبادرة، بل عن مرحلة تنفيذ فعلية بدأت منذ عام 2025 مع انطلاق جولات المبعوث الأمريكي مسعد بولس، مشيرًا إلى أن التنفيذ بدأ على المستويين الاقتصادي والأمني، بينما يقترب الشق السياسي من الاكتمال، بما يعني انتقال البلاد من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ.

وفيما يخص المناورات العسكرية ضمن تمرين “فلينتلوك 2026” في مدينة سرت، أوضح أنها تمثل تمرينًا تعبويًا وتطويريًا للمؤسستين العسكريتين في شرق وغرب البلاد، وتشكل خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية، مع إنشاء قوة مشتركة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود والإرهاب والجماعات المتطرفة، إضافة إلى حماية الحدود.

ولفت إلى أن المؤشرات بعد هذه التمارين تعكس استعداد جزء كبير من منتسبي المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا للانضمام إلى قيادة موحدة تحت مظلة القيادة العامة، وهو ما أثار قلق بعض الأطراف السياسية التي ترفع شعارات مرتبطة بحماية الثورة.

وختم الديباني تصريحه بالتأكيد على أن التشكيلات المسلحة والميليشيات ستجد نفسها خارج المعادلة في حال استكمال هذا المسار، مرجحًا أن يختار بعض قادتها الانسحاب أو العودة إلى الحياة المدنية، في حين تتجه البلاد نحو توحيد المؤسسة العسكرية ضمن إطار رسمي ومنظم تحت سلطة القيادة العليا للقوات المسلحة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى