أبوالرايقة: اجتماع روما يؤكد أن الملف لا يزال في طور التأسيس وليس الحسم

قال المختص في قضايا الأمن القومي، فيصل أبوالرايقة، إن قراءة البيان الصادر عن لجنة (4+4) عقب اجتماعها في العاصمة الإيطالية روما لا يمكن أن تتم بصورة مجتزأة، بل ينبغي تناولها ضمن مقاربات تحليلية لتفكيك السياق العام وصولاً لاستنتاجات تفصيلية.
وأوضح أبوالرايقة، في حديث لقناة “المسار”، رصدته “الساعة24″، أن نقطة الانطلاق في تحليل البيان تكمن في “الصورة العامة” للاجتماع، بما يشمل طبيعة “الاصطفافات” داخل الوفد الليبي، وحضور الأعلام، إضافة إلى مكان انعقاد اللقاء داخل مقر وزارة الخارجية الإيطالية.
وبحسب تقديره، فإن هذه المعطيات تعكس أن الأزمة الليبية لا تزال قائمة، لكنها تُدار ضمن سقف دولي محدد وواضح المعالم.
وأشار إلى أن صياغة البيان اعتمدت على مفردات “ناعمة” مستمدة من الأدبيات الأممية، مثل استخدام عبارة “أجواء بناءة وجدية”، و”إنهاء الانسداد السياسي”، مبيناً أن دلالات هذه العبارات، بما فيها وصف “قوانين قابلة للتطبيق” يعكس وجود إشكالية في مستوى القبول السياسي والشعبي للتشريعات الحالية، ما يدل على استمرار الخلاف بشأن الإطار القانوني المنظم للانتخابات.
وأوضح أن تكرار عبارة “أجواء بناءة” يوحي، بأن المرحلة السابقة كانت تتسم بقدر كبير من التوتر السياسي.
وفي سياق متصل، اعتبر أن اختيار روما كمقر للاجتماع يحمل دلالات جيوسياسية مهمة، بالنظر إلى الدور المتكرر لإيطاليا في الملف الليبي، مؤكداً أنها ما تزال تمثل منصة دبلوماسية نشطة تستضيف لقاءات ليبية ضمن سياقات دولية وإقليمية متشابكة.
وذكر أن المشهد الليبي يُدار حالياً عبر مستويات متعددة تتداخل فيها الأبعاد المحلية مع الاعتبارات الدولية والجيوسياسية.
ولفت إلى أن مضمون البيان، ركّز على مسارين رئيسيين يتمثلان في اختيار رئيس مفوضية الانتخابات، والقوانين الانتخابية، مشيراً إلى أن استخدام مصطلح “يوصي” فيما يتعلق برئيس المفوضية يعكس أن العملية لم تبلغ بعد مرحلة التعيين النهائي، وإنما لا تزال ضمن مسار ترشيح مؤسسي يتم عبر مكتب النائب العام.
وتابع: أن هذا التدرج القانوني يؤكد أن الملف لا يزال في طور التأسيس، وليس الحسم، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن وصف القوانين الانتخابية بأنها “غير قابلة للتنفيذ” يكشف عن وجود إشكالات جوهرية في صيغها السابقة، ما قد يستدعي إعادة مراجعتها من خلال لجان استشارية متخصصة.
ومن زاوية أخرى، أوضح أن ترتيب الأولويات داخل البيان يُظهر تقدّم ملف المفوضية والقوانين الانتخابية على أي مسارات تنفيذية أو حكومية، في محاولة لترسيخ الأسس القانونية أولاً.
كذلك أشار إلى أن تكرار مفردات مثل “المجلس” و”الانتخابات” و”الأمم المتحدة” وهو ما يؤشر إلى تمحور الأزمة داخل النخب السياسية والمؤسسات القائمة، مع ربط واضح بين الشرعية والمسار الانتخابي، في حين أن الإشارة إلى مفردة “الليبيين” تسعى لإبراز البعد الشعبي للعملية.
وعلى صعيد أوسع، أكد أن الأزمة الليبية تُدار حالياً عبر مسارين متوازيين: مسار أممي وآخر أمريكي، موضحاً أن الملفات الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والإنفاق العام، أصبحت جزءاً من رؤية استراتيجية دولية أشمل.
وأضاف أن التوجه الأمريكي الجديد يميل إلى التركيز على قضايا الطاقة والاستقرار والأمن، أكثر من التركيز التقليدي على مسألة الديمقراطية، مشيراً إلى أن ليبيا تُصنف ضمن مناطق الطاقة ذات الأهمية التكميلية في هذا السياق.
وفي الإطار ذاته، لفت إلى وجود تنسيق واضح بين الجهد الأممي والمقاربة الأمريكية، إلى جانب أدوار فاعلة لدول إقليمية ودولية، من بينها مصر وتركيا وقطر والإمارات والسعودية وعدد من الدول الأوروبية، معتبراً أن هذا التداخل يعكس نمطاً من الإدارة الجماعية للملف الليبي. وشبّه هذا التنسيق بـ “رقصة التانغو” التي تتطلب طرفين، في إشارة إلى الترابط بين مختلف الجهود الدولية في تشكيل المشهد السياسي.
أما فيما يتعلق بالإطار الزمني، فأشار إلى أن الإحاطات الأممية السابقة حدّدت سقفاً زمنياً يقارب 240 يوماً لتحقيق تقدم في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، غير أن الإنجاز ظل محدوداً نتيجة استمرار الخلافات بين مجلسي النواب والدولة.
ورغم ذلك، أوضح أن التحركات الدولية، بما فيها اللقاءات الإقليمية والجولات الدبلوماسية، تعكس وجود زخم دولي متصاعد، لكنه لا يلغي دور الفاعلين المحليين، بل يعيد تنظيمه ضمن أطر مؤسسية جديدة.
واعتبر أن غياب المجلس الرئاسي عن بعض مسارات التفاوض يثير تساؤلات بشأن موقعه في المرحلة المقبلة، مع احتمالات تتراوح بين إعادة تشكيله أو إعادة توزيع صلاحياته ضمن ترتيبات سياسية جديدة.
كما رجّح أن تشهد المرحلة القادمة إعادة تموضع داخل السلطة التنفيذية، في وقت يبقى فيه التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرة الأطراف على الحفاظ على التوازنات السياسية والعسكرية، لا سيما في غرب البلاد.
وفي ختام حديثه، شدد أبوالرايقة على أن مستقبل المسار الليبي سيظل مرهوناً بمدى قدرة الفاعلين المحليين على التكيف مع المتغيرات الدولية والعمل على توحيد المؤسسات، محذراً في الوقت نفسه من استمرار التهديدات الأمنية في محيط الساحل والصحراء، مؤكداً أن نجاح العملية السياسية يرتبط أساساً باستقرار الإطار القانوني والمؤسسي المنظم للانتخابات.









