بالقاسم: نجاح أي تسوية مرهون بإشراك جميع الفاعلين وتفادي أخطاء الماضي

قال الناشط السياسي إبراهيم بلقاسم، إن المشهد السياسي الليبي يمرّ بحالة معقّدة ومتشابكة فيما يتعلق بالمبادرات المطروحة لتسوية الأزمة، وفي مقدمتها ما يُعرف بـ “مبادرة بولس”، مشيرًا إلى أن مختلف الأطراف، سواء الدولية أو المحلية، تسعى في المرحلة الراهنة إلى بلورة ما وصفه بـ “توليفة سياسية” تجمع بين عدة مسارات متداخلة، تشمل المسار الأممي، والحوار المهيكل، والمبادرات السياسية المطروحة.
وأوضح بلقاسم، في حديث لتلفزيون “المسار” رصدته صحيفة الساعة 24، أن الجهود الحالية تتجه نحو تقليص عدد الأطراف الفاعلة على طاولة الحوار إلى أربع جهات رئيسية، وهي مجلسي النواب، والأعلى للدولة، والقيادة العامة، إلى جانب حكومة الدبيبة، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة ضبط مسار التفاوض والحد من حالة التباين بين الفاعلين السياسيين، انطلاقًا من كون هذه الأطراف الأكثر قدرة على حسم الترتيبات السياسية.
وفي موازاة ذلك، لفت إلى أن بعض المؤسسات، وعلى رأسها مجلس الدولة، كانت قد عبّرت في وقت سابق عن رفضها لأي مسار يتم خارج إطار الأمم المتحدة، وهو ما يعكس، وفق قوله، حالة انقسام واضحة بشأن شرعية المبادرات المطروحة ومدى توافقها مع الأطر السياسية المعتمدة.
كما أضاف أن البعثة الأممية تحاول من جهتها التوفيق بين المسارات المختلفة عبر دمج الحوار المهيكل مع المبادرات القائمة، غير أن هذه المقاربة لا تخلو من انتقادات، إذ ترى بعض الأطراف أنها قد تمنح شرعية غير مباشرة لمبادرات مثار جدل أو تتجاوز الأطر التوافقية المعمول بها.
وعلى صعيد متصل، أشار بلقاسم إلى أن الواقع السياسي في ليبيا لا يقتصر على المؤسسات الرسمية فحسب، بل يمتد ليشمل مكونات اجتماعية ومناطقية فاعلة، لا سيما في غرب البلاد، مثل مصراتة والزاوية والساحل الغربي، حيث تتباين المواقف بين رفض الانخراط في أي حوار جديد، ورفض استمرار المؤسسات القائمة بصيغتها الحالية.
وبحسب تعبيره، فإن هذه التباينات تعكس غياب جسم سياسي موحد قادر على تمثيل هذه القوى، سواء المؤيدة أو الرافضة، الأمر الذي يزيد من تعقيد العملية التفاوضية ويضع البعثة الأممية أمام تحديات متزايدة نتيجة تداخل الأطراف وتعدد المرجعيات.
ومن ناحية أخرى، انتقد بلقاسم مخرجات “الحوار المهيكل”، معتبرًا أنها جاءت ضعيفة التأثير، موضحًا أن اختيار شخصيات ذات طابع أكاديمي بعيدًا عن الفاعلين السياسيين أسهم في تقليص فاعلية هذا المسار، فضلاً عن أن عدم إلزامية مخرجاته حدّ من قدرته على إحداث تغيير فعلي على الأرض.
وأكد أن المشهد الليبي لا يزال محكومًا بتوازنات القوة بين شرق البلاد وغربها، إلى جانب استمرار الانقسام حول قواعد التغيير السياسي وضماناته، محذرًا من أن غياب التوافق بين الأطراف قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد السياسي بدل الدفع نحو الحل.
كما شدد بلقاسم على أن غياب جسم سياسي موحد يمثل القوى المعارضة يُعد من أبرز التحديات التي تواجه أي مسار تسوية، لافتًا إلى أن هذه القوى تمتلك في الوقت الراهن أدوات تأثير وتعطيل أكبر من امتلاكها لهيكل سياسي منظم يمكن التفاوض معه بشكل مباشر.
واعتبر أن طبيعة المشهد، خاصة في غرب البلاد، تتسم بتعدد الفاعلين السياسيين والأمنيين والعسكريين، ما يسهّل تبني مواقف الرفض أو العرقلة دون تحمل التزامات سياسية واضحة، في حين يظل الانخراط في مسارات التوافق أكثر تعقيدًا نظرًا لما يفرضه من التزامات وإعادة تشكيل للتوازنات القائمة.
وفي إطار التحركات الجارية، أشار إلى أن هناك توجهًا نحو تفعيل ما يُعرف بـ “الحوار الليبي- الليبي”، القائم ضمنيًا على التواصل بين رؤساء المؤسسات الثلاث: مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، إلى جانب وجود مساعٍ لإحياء قنوات التفاوض عبر وساطات إقليمية، من بينها التحركات التي تقودها القاهرة.
ومع ذلك، اعتبر بلقاسم أن فكرة “الطاولة الرباعية” المطروحة لا تزال تعاني من اختلال في التوازن من حيث التمثيل والتصميم السياسي، ما قد يحد من فاعليتها أو يجعلها عرضة للرفض من قبل أطراف رئيسية في المشهد.
ورأى أن موقف المجلس الرئاسي، لا يزال يفتقر إلى رؤية موحدة تجاه المبادرات المطروحة، حيث تتباين مواقف أعضائه بين الرفض والصمت، وهو ما يضعف قدرته على تبني موقف جامع، وقد ينعكس – في حال تبلور موقف موحد بالرفض – على الأرض من خلال تحريك قوى وأجهزة أمنية وعسكرية مرتبطة به.
وفي سياق متصل، حذر من أن أي تصعيد سياسي في هذا الاتجاه قد يقود إلى حالة من الاستقطاب والمواجهة، خصوصًا في ظل وجود قوى مؤثرة في مدن مثل مصراتة وطرابلس والزاوية والزنتان، مؤكدًا أن تجاهل هذه القوى أو محاولة استبعادها من أي تسوية قد يعيد إنتاج سيناريوهات الصراع السابقة.
واستحضر بلقاسم تجارب سابقة في السياق الليبي، موضحًا أن تقليص عدد الفاعلين في أي تسوية سياسية دون تحقيق توافق واسع أدى في مرات سابقة إلى رفض واسع تصاعد إلى مواجهات خطيرة، لافتًا إلى أن اتفاقات عام 2019 وما تلاها لم تنجح في تحقيق الاستقرار المنشود بسبب غياب الشمول السياسي.
وشدد بلقاسم على أن طبيعة الدولة الليبية، خاصة في غرب البلاد، تقوم تاريخيًا على تعدد مراكز القرار والنفوذ، الأمر الذي يتطلب – بحسب قوله – اعتماد مقاربة شاملة تستوعب مختلف الفاعلين بدل إقصائهم، والعمل على تضمين مطالبهم ضمن أي تسوية سياسية مرتقبة، تفاديًا لتكرار إخفاقات الماضي التي قادت إلى أزمات متلاحقة.









