طلوبة: اختلالات سعر الصرف أزمة مركبة والحل بإصلاح الإنفاق وتعزيز الإنتاج

قال الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد اللطيف طلوبة، إن الخطوات التي اتخذتها إدارة مصرف ليبيا المركزي في ملف النقد الأجنبي لا تمثل تحولًا سياسيًا جديدًا، بقدر ما تعكس “عودة إلى وضع كان سائداً في السابق”.
وأوضح طلوبة، في لقاء مع قناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن هذه الإجراءات ليست قرارًا داخليًا صرفًا، بل مرتبطة بظروف خارجية ومعايير دولية تحكم التعامل مع المؤسسات المالية، إلى جانب الأوضاع الأمنية التي تؤثر على قدرة المصرف المركزي على إدارة عمليات النقد الأجنبي بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الظروف الأمنية في ليبيا حدّت من التعامل المباشر بالعملات الصعبة، وهو ما حدث في مراحل سابقة، لافتًا إلى أن العام 2012 شكّل نقطة تحول نتيجة توقف بعض أنماط التعامل المباشر بالنقد الأجنبي، مضيفًا أن ما يجري حاليًا أقرب إلى إعادة تنظيم أو استعادة وضع طبيعي كان معمولًا به قبل تلك المرحلة، حيث كانت العملة المحلية تُستخدم داخل السوق، مع إتاحة العملات الأجنبية للأغراض الخارجية.
ولفت طلوبة، إلى وجود مخاوف متداولة بين المواطنين بشأن حيازة العملات الأجنبية بشكل نقدي، في ظل مخاطر محتملة مثل الابتزاز أو الاعتداء، مؤكدًا ارتباط هذه المخاوف بالوضع الأمني العام، ومبينًا أن التعامل بالنقد، سواء المحلي أو الأجنبي، يظل محفوفًا بالمخاطر في الظروف الحالية، وأن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى بيئة مالية طبيعية تتيح الحصول على العملة الأجنبية وفق الأطر الرسمية.
وأوضح أن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، لا يمكن تفسيره بالسياسة النقدية وحدها، بل يرتبط بعوامل هيكلية أعمق تتعلق بالإنفاق العام وهيكل الطلب على النقد الأجنبي، لافتًا إلى أن استقرار سعر الدولار في السوق الموازية عند مستويات تقارب 7.9 دينار، مع استهداف المصرف المركزي الوصول إلى نحو 6.9 دينار، يعكس فجوة حقيقية بين العرض والطلب.
وبيّن طلوبة، أن هذا التباين لن يُعالج عبر ضخ النقد الأجنبي فقط ما لم يصاحبه تغيير في بنية الطلب، مشيرًا إلى أن غياب أي تعديل جوهري في الإنفاق العام، الذي وصفه بالضخم والمتنامي، “خاصة بند المرتبات الذي يتجاوز عشرات المليارات”، يجعل من الصعب تحقيق تقارب فعلي بين السعرين الرسمي والموازي.
ولفت إلى أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على الواردات في ظل محدودية الإنتاج المحلي، ما يحوّل أغلب الإنفاق الداخلي إلى طلب مباشر على العملة الأجنبية، مؤكدًا أن قدرة المصرف المركزي على التأثير في سعر الصرف تظل محدودة، حتى مع زيادة ضخ النقد الأجنبي، ما لم يكن هذا الضخ مستمرًا وكافيًا لتغطية الطلب الحقيقي في السوق.
وأشار طلوبة، إلى أن أي تدخل غير مستدام لن يؤدي إلى استقرار فعلي في سعر الصرف، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا لم ينعكس بنفس النسبة على الإيرادات العامة في ليبيا، رغم الزيادة الملحوظة مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما يعكس – بحسب قوله – اختلالات في إدارة وتوزيع الإيرادات.
كما أوضح أن الإنفاق الحكومي يتسم بالمرونة المفرطة تجاه الإيرادات، حيث يميل إلى التوسع مع أي تحسن في الموارد، حتى قبل وصولها الفعلي إلى المصرف المركزي، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على الدينار الليبي.
وتابع: الفجوة الحالية بين السعر الرسمي والموازي قد تستمر ضمن نطاقها، مع إمكانية حدوث تحسن طفيف فقط إذا استمرت إجراءات توفير النقد الأجنبي، مستبعدًا تحقيق تقارب كامل بين السعرين في ظل الظروف الراهنة، ما لم تُنفذ إصلاحات مالية عميقة تشمل ضبط الإنفاق العام وتقليل الاعتماد على الواردات.
وقال إن التركيز على التاجر وحده في تفسير ارتفاع الأسعار يُغفل جانبًا مهمًا يتمثل في قوة الطلب الاستهلاكي داخل السوق الليبي، مشيرًا إلى أن المستهلك يتمتع بقدرة شرائية مرتفعة نسبيًا، خاصة مع تضخم الأجور، ما يجعل الطلب نشطًا ويُسهل تصريف السلع دون ضغط حقيقي على الأسعار نحو الانخفاض.
وأردف: في ظل وجود طلب قوي، فإن التاجر لا يواجه صعوبة في البيع حتى مع ارتفاع الأسعار، موضحًا أن الأسعار تميل بطبيعتها إلى الارتفاع بسهولة، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها إلا في حال وجود فائض عرض أو ضعف في الطلب أو استقرار واضح في تكاليف الاستيراد وسعر الصرف.
وفيما يتعلق بإمكانية فرض رقابة سعرية أو تحديد هامش ربح مرتبط بسعر صرف رسمي، أوضح طلوبة، أن تطبيق رقابة صارمة في بيئة اقتصادية غير منظمة يُعد أمرًا شديد الصعوبة وقد يكون غير فعال، مشيرًا إلى أن التجارب الاقتصادية تُظهر أن ضبط الأسعار يتطلب وجود دولة فاعلة كمورد وموزع رئيسي، كما كان الحال في أنظمة الجمعيات الاستهلاكية.
وأكد أن الاقتصار على الرقابة دون تعزيز المنافسة أو إصلاح بنية السوق قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها توسع ظواهر التواطؤ أو الفساد الإداري، ما يزيد من تعقيد المشكلة بدل حلها. مشيرا إلى أن الحل الأقرب يتمثل في تعزيز المنافسة وضمان استقرار بيئة الاستيراد، إلا أنه لفت إلى أن طبيعة السوق الليبي وحجمه المحدود تجعل من الصعب وجود عدد كبير من المستوردين، ما يحد من فاعلية المنافسة الكاملة.
وأفاد طلوبة، بأن معالجة اختلالات الأسعار وسلوك السوق تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة تشمل تحسين بيئة المنافسة، وضبط السياسات المالية، وتقليل التشوهات في الطلب الناتج عن الإنفاق غير المنتج.
ورأى أن جزءًا معتبرًا من الطلب على الدولار يرتبط بتحويلات العمالة الأجنبية، التي تُقدّر – بحسب بعض التقديرات – بعدة مليارات سنويًا، مشيرًا إلى أن هذه العمالة تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الموازية للحصول على النقد الأجنبي.
وبيّن طلوبة، أن إتاحة الدولار عبر المصارف الرسمية قد تسهم في تقليل الضغط على السوق الموازية، لكنها لن تقضي عليها بالكامل، لأن المشكلة تتعلق بتركيبة الاقتصاد وآليات التشغيل غير المنظمة.
وأضاف أن شريحة واسعة من العمالة الأجنبية تعمل خارج الإطار الرسمي دون عقود أو حسابات مصرفية، ما يجعلها تعتمد على السوق الموازية بشكل مباشر لتلبية احتياجاتها من النقد الأجنبي.
وأشار طلوبة، إلى أن طرح الدولار نقدًا عبر المصرف المركزي قد يساهم في خفض تكلفة الحصول على العملة لهذه الفئات، ويقلل من الاعتماد على السوق السوداء، لكنه لن ينهيها طالما بقيت هذه العمالة خارج المنظومة الرسمية.
وفي سياق متصل، أوضح أن مصادر الدولار النقدي في السوق الموازية ترتبط بعدة قنوات، من بينها إعادة تدوير جزء من اعتمادات الاستيراد وتحويلها إلى سيولة نقدية، إضافة إلى إيرادات الصادرات والتحويلات التي تعود إلى السوق المحلي بطرق غير رسمية.
ولفت إلى أن هذا التدفق غير الرسمي – رغم ارتباطه أحيانًا بظواهر فساد—يساهم عمليًا في توفير النقد الأجنبي لفئات مثل المرضى والمسافرين والعمالة الأجنبية، التي تعتمد عليه لتلبية احتياجات ضرورية.
واعتبر أن دخول المصرف المركزي كمزود مباشر للعملة الصعبة قد يخفف من بعض التشوهات المرتبطة بالاعتمادات، ويحد من الربحية الناتجة عن المضاربة، كما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في سعر الدولار النقدي مقارنة بالسوق الموازية.
وفي المقابل، شدد على أن التزام المصرف المركزي بتوفير النقد الأجنبي للأغراض الشخصية والعلاج والسفر يظل ضروريًا، لأن أي نقص سيؤدي إلى زيادة الطلب في السوق الموازية وارتفاع الأسعار مجددًا.
وأكد أن معالجة أزمة الدولار في ليبيا لا يمكن أن تتم عبر قناة واحدة، بل تتطلب تنظيم سوق العمل ودمج العمالة الأجنبية ضمن النظام الرسمي، إلى جانب سياسات نقدية واضحة توازن بين تلبية الطلب الحقيقي والحد من المضاربات.
وشدد طلوبة، على أن السياسة النقدية وحدها غير قادرة على معالجة اختلالات سعر الصرف بشكل جذري، مؤكدًا ضرورة تكامل الأدوار بين وزارة المالية والمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب توافق أوسع على السياسات المالية العامة. لافتاً إلى أن تحميل المصرف المركزي مسؤولية إيجاد “حل جذري” لفجوة سعر الصرف يمثل عبئًا يتجاوز نطاق اختصاصه، نظرًا لأن دوره يقتصر على إدارة أدوات نقدية محدودة الفاعلية في السياق الليبي.
وبيّن طلوبة، أن أدوات السياسة النقدية التقليدية مثل سعر الفائدة وسعر الخصم وأدوات الإقراض لا تُستخدم بشكل فعّال، ما يجعل تأثير السياسة النقدية محدودًا مقارنة بالدول الأخرى، مضيفًا أن المصرف المركزي يلجأ حاليًا إلى إجراءات غير تقليدية مثل توزيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية عبر المصارف التجارية لتقليص الفجوة بين السعرين.
وأشار إلى أن غياب سياسة مالية منسقة بين الحكومة والجهات التشريعية والمصرف المركزي يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في سوق الصرف، معتبرًا أن أي تدخل نقدي منفرد سيبقى محدود الأثر ما لم يُرافقه ضبط فعلي للإنفاق العام وتنظيم للإيرادات.
وفي تقييمه لسياسات المصرف المركزي، لفت طلوبة، إلى وجود عدم استقرار في آليات توزيع النقد الأجنبي، حيث تعكس التغييرات المتكررة بين الاعتماد على شركات الصرافة أو المصارف التجارية غياب رؤية ثابتة، وهو ما يؤثر على كفاءة السوق ويزيد من حالة الترقب. كما أشار إلى أن شركات الصرافة تلعب دورًا مهمًا لكنها تعمل في ظل عمولات مرتفعة نسبيًا، وأن أي تغيير في آلية التوزيع سيؤثر بشكل مباشر على نشاطها.
وفيما يتعلق بتوقعات السوق مع بدء ضخ الدولار عبر المصارف التجارية، أوضح طلوبة، أن التأثير المتوقع على سعر الصرف سيكون محدودًا في المدى القصير نتيجة عامل التوقعات، حيث يتفاعل السوق مع الإعلانات والإجراءات الجديدة، لكنه استبعد حدوث انخفاض كبير ومستدام سريعًا.
وختم طلوبة، بالتأكيد على أن الأسواق ستظل في حالة ترقب، وأن تحقيق استقرار حقيقي في سعر الصرف يتطلب سياسات مالية واقتصادية متكاملة تتجاوز التدخلات النقدية قصيرة الأجل.









