ليبيا

الشريف: استمرار الانقسام السياسي والمالي قد يدفع الدولار إلى 13 دينارًا

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن مصرف ليبيا المركزي يتعامل مع نتائج الأزمة المالية القائمة في البلاد، وليس مع أسبابها، موضحًا أن جذور الأزمة تتجاوز نطاق اختصاصات المصرف وترتبط بحالة الانقسام السياسي والمالي المستمرة بين مؤسسات الدولة.

وأوضح الشريف، في حديثه لقناة “ليبيا الأحرار”، ورصدته “الساعة 24” أن المصرف المركزي حاول خلال الفترة الماضية التدخل عبر الدفع نحو توحيد الإنفاق العام بين الشرق والغرب من خلال ما يُعرف بـ “الموازنة الموحدة”، إلا أن هذا المسار – بحسب تعبيره – لم يصمد طويلاً نتيجة “الاختراقات والتأخير في التنفيذ”، وهو ما أدى إلى عودة الضغوط مجددًا على سوق النقد الأجنبي، وارتفاع أسعار صرف الدولار في السوق المحلية.

وأضاف: مجرد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بشأن توحيد الموازنة انعكس بشكل مباشر وسريع على السوق، حيث تراجع سعر صرف الدولار إلى حدود 7.90 دينار، غير أن هذا التراجع لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما عادت الأسعار إلى الارتفاع مع تصاعد التشكيك في إمكانية تنفيذ الاتفاق وتأخر تطبيق إجراءاته على أرض الواقع، الأمر الذي أعاد حالة عدم الاستقرار إلى سوق الصرف.

وفي سياق متصل، بيّن الشريف أن المصرف المركزي يعمل حاليًا ضمن حدود اختصاصاته المتاحة، من خلال زيادة المعروض من النقد الأجنبي، وضخ نحو 2.5 مليار دولار في محاولة لتهدئة السوق والسيطرة على الطلب المتزايد على العملة الصعبة، في ظل اتساع فجوة العرض والطلب داخل السوق المحلية.

كما أشار إلى أن الخطة التي وُضعت مسبقًا كانت تستهدف توفير نحو 600 مليون دولار شهريًا، وهي قيمة اعتبرها كافية – وفق تقديراته – لإشباع السوق والحد من ارتفاع سعر الدولار، بشرط الالتزام الكامل باتفاق الموازنة الموحدة، موضحًا في الوقت نفسه أن المصرف يمتلك القدرة الفنية على رفع حجم المعروض إلى ما يقارب ملياري دولار شهريًا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

وأكد الشريف أن استمرار عدم التزام الأطراف السياسية بتنفيذ الاتفاق سيؤدي إلى تقليص قدرة المصرف المركزي على التحكم في السوق، رغم محاولاته المتواصلة للإبقاء على سعر الصرف في حدود 8.38 دينار، إلى حين الوصول إلى معالجة جذرية وشاملة للأزمة الاقتصادية والمالية القائمة.

وتابع موضحًا أن المضاربة أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في سوق الصرف، نتيجة اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، حيث دفع ارتفاع الطلب على الدولار خلال الفترة الأخيرة شرائح واسعة من الأفراد والتجار إلى الدخول في عمليات المضاربة، سواء عبر الاعتمادات المستندية أو حتى لأغراض شخصية وتجارية مختلفة.

ولفت الشريف إلى أن حجم الطلب على النقد الأجنبي للأغراض الشخصية شهد ارتفاعًا غير مسبوق، إذ قفز من مستويات لم تكن تتجاوز ملياري دولار سابقًا إلى نحو 8 مليارات دولار حاليًا، وهو ما اعتبره مؤشرًا واضحًا على توسع نشاط المضاربة داخل السوق، وتزايد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي.

وشدد على أن الحل الحقيقي للأزمة يكمن في التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يفضي إلى تشكيل موازنة موحدة وحكومة واحدة، بما يخفف العبء عن المصرف المركزي، ويمكنه من إدارة الإنفاق العام بصورة أكثر استقرارًا وانتظامًا، الأمر الذي من شأنه تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وبالتالي الحد من المضاربة تدريجيًا.

وفي سياق متصل، أكد الشريف أن المعالجة الأمنية للسوق الموازية للعملات الأجنبية في ليبيا لا تمثل حلاً جذريًا للأزمة، مشددًا على أن المشكلة الأساسية ذات طابع اقتصادي ومالي بحت، وليست مرتبطة فقط بنشاط تجار العملة أو المتعاملين في السوق.

وأوضح أن حملات المداهمة التي شهدتها مدينة بنغازي خلال الأشهر الماضية لن تنهي وجود السوق الموازية، باعتبار أن هذا السوق لا يتمركز في مكان محدد، بل يعمل في كثير من الأحيان عبر وسائل افتراضية أو من خلال شبكات وعلاقات مباشرة بين المتعاملين، ما يجعل السيطرة الأمنية عليه محدودة الأثر.

وأشار إلى أن القضاء على السوق الموازية لن يتحقق إلا من خلال معالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهورها، مؤكدًا أن شركات الصرافة النظامية يمكن أن تعمل بشكل طبيعي ومنظم إذا ما جرى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، بما يحد من دوافع المضاربة.

واعتبر أن المصرف المركزي بدأ بالفعل في التعامل مع جوهر الأزمة، غير أن الحلول المطروحة لا تزال غير مكتملة، لافتًا إلى أن توحيد الموازنة العامة يمثل شرطًا أساسيًا لكنه غير كافٍ ما لم يقترن بضبط الإنفاق العام بما يتناسب مع حجم الإيرادات النفطية المتاحة.

وبيّن الشريف أن أي موازنة تتجاوز حجم الإيرادات النفطية ستؤدي بالضرورة إلى خلق طلب إضافي على الدولار، وهو ما يضاعف الضغوط على سعر الصرف ويقلل من قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن قيمة الدينار الليبي في السوق المحلية.

وانتقد استمرار السياسات المالية الحالية التي تعتمد على استنزاف الاحتياطيات النقدية، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يقود البلاد إلى أزمة مالية أكثر حدة، كما عبّر عن رفضه لفكرة تخفيض قيمة الدينار، معتبرًا أنها ليست حلًا اقتصاديًا سليمًا في ظل الظروف الراهنة.

وفي إطار حديثه عن البدائل الممكنة، طرح الشريف مقترح “سعر الصرف الخاص”، موضحًا أنه سبق أن ناقش هذه الفكرة مع مسؤولي المصرف المركزي، إلا أنها تواجه تحفظات من صندوق النقد الدولي بسبب ما يُعرف بازدواجية أسعار الصرف وتأثيراتها على الاستقرار النقدي.

وأردف: أن ليبيا سبق أن نجحت في تطبيق هذه الآلية خلال عام 2003، رغم محدودية الاحتياطيات الأجنبية آنذاك، حيث جرى تقليص الفجوة تدريجيًا بين السعر الرسمي وسعر السوق، إلى أن تم الوصول إلى سعر صرف توازني استقر لاحقًا عند نحو 1.40 دينار للدولار.

واقترح الشريف أن يعتمد المصرف المركزي في المرحلة الحالية سعر صرف قريب من سعر السوق الموازية، مثل مستوى 8.5 دينار للدولار، مع توفير النقد الأجنبي بهذا السعر لجميع المواطنين والقطاعات، على أن يتم تخفيضه تدريجيًا مع مرور الوقت حتى تضيق الفجوة وتختفي المضاربات بشكل نهائي.

كما أوضح أن صندوق النقد الدولي لا يفرض شروطًا مباشرة على ليبيا في هذا الملف، نظرًا لعدم وجود قروض قائمة، مشيرًا إلى أن دوره يقتصر على تقديم المشورة الفنية والاستشارية في إطار المادة الثامنة من اتفاقياته.

وحذر الشريف من أن استمرار الانقسام السياسي والانفلات في الإنفاق الحكومي قد يدفع سعر الدولار إلى مستويات تتراوح بين 12 و13 دينارًا، مؤكدًا أن المصرف المركزي لا يمكنه منفردًا مواجهة الطلب الكبير على العملة الأجنبية في ظل غياب الانضباط المالي والتوافق السياسي.

وشدد في ختام حديثه على ضرورة الإسراع في ضبط الموازنة العامة واعتماد موازنة تقشفية نسبيًا، إلى جانب تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، من أجل الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من تدهور القدرة الشرائية للمواطن الليبي.

كما أشار إلى أن المصرف المركزي بذل خلال الأشهر الماضية جهود وساطة مكثفة بين الأطراف المختلفة، من خلال اجتماعات عُقدت في تونس وإيطاليا، بهدف الوصول إلى تفاهمات تضمن الالتزام بالسياسات المالية والنقدية المطلوبة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

واختتم الشريف بالتأكيد على أن أي تدهور جديد في سعر صرف الدينار سينعكس بشكل مباشر على معيشة المواطن الليبي، داعيًا جميع الأطراف إلى الالتزام بتعليمات المصرف المركزي وضبط الإنفاق العام، لتجنب المزيد من التراجع الاقتصادي وتفاقم الأزمة المعيشية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى