امطيريد: توطين المهاجرين في ليبيا يهدد الأمن القومي والتركيبة السكانية

رأى المحلل السياسي، محمد امطيريد، أن ملف الهجرة غير الشرعية، وتوطين المهاجرين داخل البلاد، بات يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة الليبية في المرحلة الراهنة، محذراً من تداعياته على الأمن القومي والتركيبة السكانية والهوية الوطنية، في ظل الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة واستمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية والغربية.
وأكد امطيريد، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” أن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق في غرب ليبيا على خلفية ما يُعرف بملف توطين المهاجرين تعكس حالة من القلق الشعبي المتراكم تجاه هذه القضية، موضحاً أن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمات امتدت لسنوات طويلة، بعضها يعود إلى ما قبل عام 2011، قبل أن تتفاقم بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن الملف لم يعد يقتصر على كونه قضية هجرة عابرة أو مسألة إنسانية مؤقتة، بل أصبح يرتبط مباشرة بالأمن القومي الليبي وبالتوازنات الديموغرافية والاجتماعية داخل البلاد، لافتاً إلى أن محدودية الكثافة السكانية في ليبيا تمثل تحدياً استراتيجياً يستوجب التعامل معه بسياسات وطنية واضحة تحافظ على الهوية الثقافية والتركيبة السكانية للمجتمع الليبي.
وأوضح امطيريد، أن ليبيا كانت تاريخياً دولة عبور للمهاجرين، إلا أن استمرار الضعف المؤسسي وغياب الرقابة الفعالة على الحدود، إلى جانب وجود جهات تستفيد من إدارة هذا الملف، ساهم في تحول جزء من الهجرة العابرة إلى استقرار طويل الأمد داخل الأراضي الليبية.
ولفت إلى أن البلاد شهدت خلال السنوات الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المهاجرين غير النظاميين، مع وجود تجمعات سكانية كبيرة في عدد من المدن الليبية، من بينها طرابلس وبنغازي، يقيم فيها مهاجرون لا يمتلك بعضهم وثائق أو بيانات رسمية مكتملة، ما يثير مخاوف مرتبطة بالهوية الوطنية ومستقبل النسيج الاجتماعي.
واعتبر امطيريد، أن تمركز مجموعات كبيرة من جنسيات مختلفة داخل أحياء ومناطق محددة قد يؤثر على التوازن المجتمعي ويزيد من التحديات الأمنية، خصوصاً في ظل هشاشة مؤسسات الدولة وصعوبة فرض الرقابة والتنظيم والمتابعة القانونية.
ورأى أن التحديات المرتبطة بالهجرة لا تنحصر في الجانب الديموغرافي فقط، بل تشمل أبعاداً أمنية واجتماعية واقتصادية، مشيراً إلى انتشار ظاهرة تشغيل المهاجرين داخل المنازل والشركات دون إجراءات قانونية كافية، في ظل غياب التسجيل والحصر والتأمين الصحي والرقابة الرسمية، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق بالأمن المجتمعي وحماية الأسر الليبية.
وفي هذا السياق، شدد امطيريد، على أن استمرار الانقسام السياسي وتعدد الحكومات ساهم في تعقيد الملف وخلق ثغرات استغلتها جهات مختلفة لإدارة ملف الهجرة بعيداً عن رؤية وطنية موحدة، معتبراً أن ضعف السلطة التنفيذية المتعاقبة كان أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم الأزمة.
وقال إن الضغوط الدولية تمثل عاملاً مؤثراً في سياسات بعض الحكومات الليبية تجاه ملف المهاجرين واللاجئين، مشيراً إلى وجود مخاوف متزايدة من محاولات توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية.
كما أشار امطيريد، إلى أن القانون رقم (24) لسنة 2024 والذي يمنع توطين المهاجرين في ليبيا، لافتاً إلى أن رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بالمنطقة الشرقية، اللواء صلاح الخفيفي، سبق أن انتقد ما وصفه بممارسات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل ليبيا.
وتابع امطيريد: عمل المفوضية من العاصمة طرابلس يثير تساؤلات لدى قطاعات من الرأي العام، معتبراً أن حجم التدخلات الدولية في هذا الملف أصبح أكبر من السابق، في ظل ما يراه ضعفاً في المواقف والإجراءات الحكومية تجاه الأنشطة والاتفاقيات المرتبطة بإدارة الهجرة.
واتهم امطيريد بعض الأطراف الدولية، بما في ذلك جهات أوروبية وأممية، بالسعي إلى إدارة ملف الهجرة بما يخدم مصالحها الخاصة، معتبراً أن بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، تحاول نقل أعباء الهجرة غير النظامية إلى ليبيا من خلال ترتيبات تجعل البلاد تتحمل جزءاً من الضغوط الناتجة عن تدفقات المهاجرين القادمين من أفريقيا.
كما رأى أن الدعم السياسي والاعتراف الدولي الممنوح لبعض الحكومات الليبية ارتبط في بعض الحالات بقبول ترتيبات معينة تتعلق بإدارة ملف الهجرة، وهو ما يفسر – بحسب تقديره – تردد السلطات في اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه بعض المبادرات الدولية.
وأشار امطيريد، إلى أن الجدل الدائر حول بعض التقارير والمقترحات التي تناولتها وسائل إعلام أجنبية بشأن استقبال فلسطينيين من قطاع غزة داخل ليبيا ساهم في زيادة المخاوف الشعبية وأشعل موجة من الاحتجاجات والرفض المجتمعي.
وفيما يتعلق بالسياسات الحكومية الداخلية، اعتبر المحلل السياسي، أن بعض القرارات المرتبطة بالهوية والمواطنة والتغيرات الديموغرافية، ومنها قرار حكومة الوحدة المؤقتة، الصادر عام 2022 بشأن منح الجنسية لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب، أثارت نقاشاً واسعاً حول انعكاسات هذه السياسات على البنية السكانية للمجتمع الليبي.
وأكد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية وطنية شاملة لإدارة الملف، موضحاً أن الحكومات الانتقالية التي كان يفترض أن تركز على إنجاز الاستحقاقات السياسية والانتخابية انخرطت في ملفات اجتماعية وديموغرافية شديدة الحساسية والتأثير.
وفي حديثه عن الواقع الميداني، أوضح امطيريد، أن المنطقة الغربية، وخاصة العاصمة طرابلس، تمثل بؤرة رئيسية لأزمة الهجرة نتيجة هشاشة الوضع الأمني وضعف قدرة المؤسسات الرسمية على فرض السيطرة أو تنفيذ سياسات فعالة لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، مثل النيجر وتشاد وبوركينا فاسو وغيرها من الدول الأفريقية.
وبينّ أن غياب آليات واضحة للتمييز بين اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين يزيد من تعقيد المشهد، كما أن بعض الجهات المسلحة وغير الرسمية أصبحت طرفاً مؤثراً في إدارة هذا الملف، الأمر الذي انعكس سلباً على جهود التنظيم والرقابة.
وفي المقابل، أشار امطيريد، إلى أن المنطقتين الشرقية والجنوبية تبدوان أكثر تنظيماً نسبياً في متابعة ملف الهجرة وضبطه، رغم أن حجم التحدي يفوق إمكانات أي جهة منفردة بسبب اتساع الحدود الليبية وتشعب مسارات التهريب والعبور.
واستشهد بالتجربة المصرية في إعادة تنظيم ملفات اللجوء والهجرة استجابة لمخاوف أمنية واجتماعية، معتبراً أن ليبيا تواجه تحديات أكبر بكثير بسبب الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة.
ورغم انتقاداته لإدارة الملف، شدد امطيريد، على أهمية عدم إغفال البعد الإنساني المرتبط بقضايا الهجرة واللجوء، مؤكداً أن جميع الشعوب قد تتعرض للنزوح والتهجير في ظروف استثنائية.
واستحضر في هذا الإطار تجربة الليبيين خلال أحداث عام 2011، وكذلك خلال المواجهات مع الإرهاب في مدينة بنغازي، حين اضطرت عائلات ليبية إلى النزوح داخل البلاد وخارجها. كما فرّق بين الحالات الإنسانية الطارئة، مثل تدفق النازحين السودانيين إلى مدينة الكفرة نتيجة الحرب في السودان، وبين موجات الهجرة غير النظامية القادمة عبر دول الجوار، معتبراً أن الأخيرة تمثل تحدياً أمنياً وتنظيمياً أكثر من كونها أزمة إنسانية مؤقتة.
وأشار أيضاً إلى أن الإشكال لا يكمن في وجود المهاجرين بحد ذاته، وإنما في غياب التخطيط المؤسسي لإدارة الملف، وعدم وجود برامج واضحة لتنظيم أوضاع الوافدين والاستفادة من المهارات والكفاءات التي يمتلكها بعضهم ضمن أطر قانونية واضحة.
وختم امطيريد حديثه بالتأكيد على أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية تتطلب موقفاً وطنياً موحداً ورؤية متوازنة تجمع بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي والحفاظ على الهوية الوطنية، داعياً إلى دور أكثر فاعلية للمؤسسات الأمنية ومجلس الأمن القومي، وإلى ضمان توافق أي برامج أو مبادرات دولية متعلقة بالهجرة مع المصالح الوطنية الليبية ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي والديموغرافي والسيادة الوطنية.









