الهواري: الحراك الشعبي حول الهجرة فضح تقصير حكومة الدبيبة

قال الناشط الحقوقي، ناصر الهواري، إن الحراك الشعبي الذي شهدته ليبيا مؤخراً بشأن ملف الهجرة غير النظامية كان ضرورياً لتصحيح الأوضاع ومواجهة ما وصفه بضعف الأداء الحكومي وغياب الشفافية في إدارة هذا الملف، مشيراً إلى أن حكومة الوحدة المؤقتة ابتعدت في الفترة الأخيرة عن معالجة هذا الملف بشكل مباشر.
وأوضح الهواري، في حديث لقناة “المسار”، رصدته “الساعة 24″، أن ما يجري على الأرض يرتبط بانتشار عصابات تهريب وهجرة، إلى جانب ما اعتبره وضعاً مقلقاً قد يقود إلى تحولات خطيرة، من بينها مخاوف تتعلق بإدماج المهاجرين داخل البلاد، مؤكداً في الوقت نفسه أن التوطين غير وارد ولا توجد أي تفاهمات رسمية بشأنه مع الدولة الليبية.
وأضاف أن القلق الشعبي، وفق وصفه، ناتج عن قيام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنح صفة اللجوء لآلاف وربما لعشرات الآلاف من المهاجرين، مع غياب إحصاءات رسمية دقيقة من الجهات الليبية أو المفوضية، ما يجعل حجم الملف غير واضح، على حد قوله.
وفي سياق حديثه، أشار الهواري، إلى أن غياب تشريعات وطنية واضحة تنظم ملف اللجوء في ليبيا أدى إلى فراغ قانوني، لافتاً إلى أن هذا الفراغ دفع المفوضية إلى تولي بعض المهام المرتبطة بدراسة طلبات اللجوء وفرزها، في ظل عدم وجود لجنة وطنية مختصة داخل ليبيا.
وقال إن المفوضية تعمل، بحسب ما هو معلن، في الدول التي لا تمتلك أنظمة لجوء مكتملة، وهو ما ينطبق على الحالة الليبية، معتبراً أن النقص في الإجراءات الحكومية هو ما سمح للمفوضية بالاستمرار في هذا الدور، في إطار التزامات إنسانية مرتبطة بالأمم المتحدة.
وأضاف أن المفوضية تعمل بالتعاون مع السلطات الليبية في ظل ما وصفه بـ “حالة الانقسام والهشاشة السياسية”، مشيراً إلى أن هذا التعاون يتم في إطار تفاهمات مع جهات ليبية مختلفة، في وقت لا تمتلك فيه ليبيا منظومة لجوء وطنية فعالة، على حد تعبيره.
وفي مقارنة مع دول أوروبية، أوضح الهواري، أن دولاً مثل ألمانيا وإيطاليا تمتلك أنظمة لجوء داخلية واضحة، بينما في الحالة الليبية تتولى المفوضية بعض المهام نتيجة غياب الإطار المؤسسي الوطني، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يرتبط مباشرة بضعف الدولة وانقسامها السياسي.
وحذّر الهواري، من تداعيات ما وصفه باستمرار منح صفة اللجوء دون حلول واضحة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الحاصلين على هذه الصفة قد يبقون داخل ليبيا في ظل صعوبة إعادتهم إلى بلدانهم أو ترحيلهم إلى دول ثالثة، ما يثير – بحسب رأيه – مخاوف تتعلق بإمكانية حدوث إدماج فعلي داخل المجتمع الليبي.
وأكد أن معالجة هذا الملف تتطلب، وفق رؤيته، وضع تشريعات وطنية واضحة وتنظيم العلاقة مع المفوضية السامية ضمن إطار قانوني محدد، بما يضمن إدارة ملف الهجرة واللجوء بشكل منضبط داخل الدولة الليبية.
وحسب الهواري، فإن ليبيا تواجه مخاطر متزايدة في ملف الهجرة غير النظامية، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع البلاد من كونها “بلد عبور” إلى “بلد إقامة”، في تعقيدات الواقع الأمني والسياسي في منطقة البحر المتوسط.
وأوضح أن جزءاً من الشارع الليبي يتعامل مع ملف الهجرة انطلاقاً من قناعة مفادها “أنه لا دخان بلا نار”، مشيراً إلى أن حالة الجدل الشعبي تتصاعد في ظل غياب الثقة لدى شرائح واسعة من المواطنين في الحكومة وفي المؤسسات الدولية على حد سواء، على حد تعبيره.
وأضاف أن التحركات الشعبية الأخيرة في مناطق عدة تعكس، بحسب وصفه، رفضاً واسعاً للسياسات الحالية المتعلقة بملف الهجرة، وقلقاً متزايداً من تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، ممن لا يحملون وثائق سفر أو إقامات قانونية، ويعملون داخل ليبيا في قطاعات مختلفة.
وأشار الهواري، إلى أن بعض الحالات – وفق تعبيره – قد تشمل إصابات بأمراض معدية، إلى جانب وجود عائلات كاملة من جنسيات إفريقية، معتبراً أن هذا الواقع يثير مخاوف ديموغرافية وأمنية داخل المجتمع الليبي، على حد قوله.
واعتبر إن استمرار تدفق المهاجرين ينعكس على قطاعات التعليم والصحة والسلع التموينية، في ظل ما وصفه بعجز الدولة عن تلبية احتياجات السكان، مشيراً إلى أن ذلك يزيد من حالة الاحتقان الشعبي.
وانتقد الهواري، ما اعتبره غياباً للبيانات الرسمية من الحكومة حول أعداد المهاجرين والتفاهمات مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، داعياً السلطات إلى توضيح طبيعة الاتفاقات القائمة والإجراءات المتخذة في هذا الملف، مؤكداً أن السكوت الرسمي يفاقم الأزمة، بحسب تعبيره.
وفي سياق متصل، اعتبر الهواري، أن عمليات اعتراض المهاجرين في عرض البحر وإعادتهم إلى ليبيا، في إطار التعاون مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي، تمثل أحد أسباب تفاقم أزمة التكدس داخل البلاد، مشيراً إلى وجود اتفاقات رسمية تشمل دعماً وتدريباً وتزويداً بالمعدات لخفر السواحل الليبي، وفق وصفه.
ورأى أن هذا التعاون، رغم طابعه الرسمي، أسهم في زيادة أعداد المهاجرين داخل ليبيا، داعياً في المقابل إلى تعزيز برامج العودة الطوعية بدعم دولي، وتوفير رحلات نقل للمهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية.
وحذّر الهواري، من احتمالات تصاعد التوترات داخل المجتمع الليبي في حال وقوع حوادث جنائية يُشتبه في تورط مهاجرين فيها، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى موجات عنف يصعب السيطرة عليها، داعياً الحكومة إلى التدخل العاجل واحتواء الموقف.
كما انتقد استمرار غياب موقف حكومي واضح، معتبراً أن عدم إصدار بيانات رسمية أو التواصل مع الشارع يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، محذراً من أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى استهداف المهاجرين أو العاملين في المؤسسات الدولية داخل البلاد.
وأشار الهواري، إلى وجود تقديرات غير رسمية تتحدث عن أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين في ليبيا قد تصل إلى نحو ثلاثة ملايين شخص، معتبراً أن هذه الأرقام – في حال صحتها – تمثل تحدياً بالغ الخطورة على المستويات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
وقال إن ما يُتداول بشأن ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا يرتبط، بحسب وصفه، بوجود إشكالات تتعلق بضعف منظومة القيم الحاكمة داخل المجال السياسي، مشيراً إلى أن هذا الغياب ينعكس على طريقة إدارة الملفات الكبرى، وفي مقدمتها ملف الهجرة. مبيناً أن حجم الإنفاق العام في ليبيا، خاصة في القطاعات الأمنية، لا يقابله مستوى مماثل من كفاءة الأداء المؤسسي، معتبراً أن هذا التباين يعكس خللاً في إدارة الموارد والسياسات العامة.
وأضاف أن ملف الهجرة غير النظامية لا يمكن التعامل معه بوصفه ملفاً إنسانياً فقط، بل أصبح يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية معقدة، مشيراً إلى أن بعض الأطراف تستفيد من التمويلات المرتبطة بهذا الملف، بما في ذلك ما وصفه بمئات الملايين التي تُضخ من قبل الاتحاد الأوروبي في إطار إدارة الهجرة.
واعتبر الهواري، أن إعادة طرح الاتفاقيات المتعلقة بالهجرة في السياق الليبي يرتبط أيضاً بمصالح سياسية واقتصادية، سواء على مستوى الدعم الدولي أو النفوذ الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار هذا الواقع يتطلب، بحسب رأيه، إعادة صياغة منظومة القيم الوطنية الحاكمة للعمل السياسي. وأكد أن غياب هذه المنظومة يفاقم من تعقيد المشهد العام، ويؤثر على قدرة الدولة على وضع سياسات واضحة وفعالة للتعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، على حد تعبيره.
وأردف الهواري، إن الإشكال المرتبط بملف الهجرة غير النظامية في ليبيا لا يتعلق بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو منظمة الهجرة الدولية بحد ذاتهما، بقدر ما يرتبط بقدرة السلطات الليبية على إدارة الدولة في ظل الظروف الحالية.
وتابع: وجود المنظمات الدولية في أي دولة يكون عادة مرتبطاً بحالات الطوارئ والصراعات وعدم الاستقرار، معتبراً أن ليبيا تمر بمرحلة استثنائية تجعل من حضور هذه المنظمات أمراً واقعاً، إلى حين استعادة الدولة لاستقرارها وسيادتها الكاملة، على حد تعبيره.
وبينّ أن المنظمة الدولية للهجرة اللاجئين تعملان داخل ليبيا بالتنسيق مع السلطات الرسمية، وتقدمان مساعدات إنسانية وخدمات داخل مراكز احتجاز المهاجرين، بما في ذلك الدعم الغذائي والطبي، مشيراً إلى أن هذا الدور يخفف جزءاً من الأعباء الواقعة على الدولة الليبية في ظل الوضع الراهن.
ورأى الهواري، أن معالجة ملف الهجرة تتطلب في الأساس وجود دولة مستقرة ذات منظومة لجوء واضحة ومؤسسات قادرة على البت في الطلبات بشكل مباشر، لافتاً إلى أن استمرار الانقسام السياسي وغياب سلطة موحدة يعرقل إمكانية إدارة هذا الملف داخلياً.
وأشار إلى أن التشريعات الصادرة عن مجلس النواب، ومنها قانون مكافحة الهجرة غير النظامية، رغم ما تتضمنه من عقوبات، لن تكون كافية لمعالجة الأزمة بشكل جذري في ظل استمرار الظروف الحالية، على حد قوله.
وفي سياق متصل، اعتبر الهواري، أن ليبيا تشهد تحولاً تدريجياً من بلد عبور إلى بلد مقصد، مدفوعاً بعوامل اقتصادية وفرص العمل وتحويلات الأموال، محذراً في الوقت نفسه من تأثير ما وصفه بانتشار الفساد ووجود شبكات تهريب تعمل عبر عدة مناطق داخل البلاد.
وأضاف أن ما وصفها بـ “عصابات الهجرة” لا تزال تنشط في عدد من المدن والمناطق، مستغلة المهاجرين القادمين من دول مختلفة، داعياً إلى التركيز على تفكيك هذه الشبكات بدلاً من تحميل المهاجرين أنفسهم تبعات الأزمة، على حد تعبيره.









