اخبار مميزةليبيا

السنوسي: أرقام المهاجرين غير النظاميين تثير مخاوف على الهوية والاستقرار 

قال الباحث المختص في الشؤون الأمنية والسياسية، محمد السنوسي، إن ما جرى من احتجاجات وإغلاق لمقر مفوضية شؤون اللاجئين في منطقة السراج بالعاصمة طرابلس، يعكس حالة ضغط شعبي متصاعد في ليبيا نتيجة تزايد أعداد المقيمين غير النظاميين وغياب حلول واضحة من الجهات الرسمية والدولية، في ظل الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة وتراجع الأداء الأمني، على حد وصفه.

وأوضح السنوسي، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة 24” أن المجتمع الليبي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ما اعتبره تحدياً يمس هوية الدولة وكيانها، مع تزايد الاستياء الشعبي الناتج عن تدهور الوضع الأمني وتنامي بعض الظواهر الإجرامية، ما دفع فئات من المجتمع إلى تحميل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مسؤولية ما يجري باعتبارها الجهة الدولية المعنية بملف اللجوء داخل ليبيا.

وبيّن أن مهام المفوضية، من وجهة نظره، تتركز في معالجة طلبات اللجوء وإيجاد دول ثالثة لإعادة التوطين أو الإعادة الطوعية إلى بلدان المنشأ، معتبراً أن القصور في تنفيذ هذه المسارات داخل ليبيا أسهم في تصاعد المخاوف، خاصة مع استمرار وجود المهاجرين لفترات طويلة، وما يرافق ذلك من إجراءات مثل إصدار بطاقات الحماية الدولية وتقديم خدمات صحية وغذائية، والتي قد تُفهم – بحسب رأيه – كخطوات غير مباشرة باتجاه دمج أو توطين المهاجرين داخل المجتمع الليبي، رغم نفي المفوضية وجود أي برنامج للتوطين.

وأضاف السنوسي، أن هذه المخاوف لا تعني الدعوة إلى أي تجاوزات، مشدداً على ضرورة أن تتم الاحتجاجات في إطار سلمي يحترم الحقوق الإنسانية والمؤسسات، معتبراً أن التحركات الشعبية تعكس شعوراً بتهديد مباشر، على حد تعبيره، وفي الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول قدرة هذا الضغط على التأثير في السياسات الوطنية والدولية المتعلقة بالهجرة.

وفي سياق متصل، قال السنوسي، إن ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا يُدار في ظرف استثنائي بالغ التعقيد، مشيراً إلى أن التعامل مع المنظمات الدولية وفي مقدمتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يرتبط بمخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي وتعدد مراكز القرار.

ولفت إلى أن ليبيا تعتمد في توصيفها القانوني على مصطلح الهجرة غير الشرعية وفق القانون رقم 19 لسنة 2010، وأن وجود المفوضية في البلاد يعود إلى تسعينيات القرن الماضي بمذكرات تفاهم مع السلطات الليبية، إلا أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن سياقات الاستقرار السابقة.

وأشار إلى أن غياب سلطة سياسية موحدة قادرة على ضبط الحدود وتأمين الإقليم يحدّ من قدرة الدولة على إدارة الملف، في وقت تتبنى فيه السياسات الأوروبية مقاربات لإعادة المهاجرين إلى دول العبور أو المنشأ، مع هشاشة دول جنوب الصحراء، ما يجعل ليبيا في موقع حساس أو منطقة عازلة أمام تدفقات الهجرة غير النظامية.

ولفت السنوسي، إلى أن التوجهات الأوروبية، بما في ذلك الحديث عن إنشاء مراكز لمعالجة طلبات اللجوء خارج أوروبا، قد تفتح الباب أمام إعادة طرح ليبيا كخيار محتمل، في ظل ما وصفه بـ “الانفجار الديموغرافي” في محيطها الجغرافي، حيث تتجاوز الكتلة السكانية في الدول المجاورة عشرات الملايين.

وأوضح أن غياب بيانات رسمية دقيقة حول أعداد المهاجرين داخل ليبيا يزيد من تعقيد المشهد، في حين تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود مئات الآلاف، بل وقد تصل التقديرات إلى نحو ثلاثة ملايين مهاجر غير نظامي، ما يشكل – بحسب رأيه -عبئاً أمنياً واجتماعياً واقتصادياً على الدولة، ويثير مخاوف تتعلق بالهوية والقدرة على الاستيعاب.

وأضاف أن المهاجرين في ليبيا ينقسمون بين من يقيم بهدف العمل وإرسال الأموال إلى بلاده، ومن يسعى للعبور نحو أوروبا، محذراً في الوقت نفسه من أن وجود نسبة محدودة من ذوي الخلفيات الجنائية أو “المسجلة خطراً” قد يشكل تهديداً أمنياً.

وفي ملف الترحيل، أوضح السنوسي، أن عمليات إعادة المهاجرين تواجه صعوبات معقدة تتعلق بإثبات الهوية ورفض بعض الدول استقبال مواطنيها، ما يجعل معالجة الملف مكلفة وتحتاج إلى تفاوض دولي واسع، في ظل استمرار تدفق المهاجرين عبر البحر وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وما يرافق ذلك من تحديات أمنية وإنسانية متزايدة.

كما أشار إلى أن الملف لا ينفصل عن أبعاد اقتصادية وسياسية، لافتاً إلى تقارير تتحدث عن إنفاق مئات الملايين من اليورو من قبل الاتحاد الأوروبي على إدارة ملف الهجرة، وما يرافق ذلك من تشابك مصالح سياسية واقتصادية ونفوذ إقليمي، إضافة إلى ما وصفه بغياب منظومة قيم حاكمة داخل المجال السياسي الليبي وضعف الأداء المؤسسي مقابل حجم الإنفاق على قطاعات الأمن والدفاع.

وحسب السنوسي، فإن ملف الهجرة يرتبط أيضاً بوجود ما وصفه بعصابات تنظم مسارات الهجرة، محذراً من تحول ليبيا من بلد عبور إلى بلد إقامة، مشيراً إلى أن الجدل حول القانون رقم 19 لسنة 2010 يُنظر إليه أوروبياً على أنه لا يميز بين المهاجرين وطالبي اللجوء، في حين يرى أن الإشكال الحقيقي يتمثل في التدفقات الكبيرة القادمة من الجنوب.

واعتبر أن الجدل الدائر حول المفوضية يمثل “القشة التي قصمت ظهر البعير”، في ظل ما يراه جزءاً من الشارع الليبي من أن الإجراءات المتبعة، بما في ذلك بطاقات الحماية الدولية والخدمات المقدمة، قد تعزز ما يعتبره “اتجاهاً نحو توطين غير مباشر”.

وأضاف أن إعادة طرح الملف في السياق الليبي يرتبط كذلك بمصالح سياسية واقتصادية، سواء على مستوى الدعم الدولي أو النفوذ الإقليمي، مشدداً على أن معالجة الأزمة تتطلب أولاً توحيد السلطة السياسية في ليبيا ووضع استراتيجية وطنية واضحة لإدارة ملف المقيمين غير النظاميين.

وفي ختام حديثه، أكد أن ليبيا بحاجة إلى عمالة أجنبية في بعض قطاعات الإعمار والتنمية، إلا أن ذلك يجب أن يتم ضمن إطار منظم يحدد طبيعة الوجود الأجنبي داخل البلاد، بما يمنع تحول الهجرة إلى عبء غير منضبط على الدولة، على حد تعبيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى