بوزعكوك: الهجوم السيبراني على المركزي يهدد الاقتصاد ويثير تساؤلات حول توقيته
اعتبر الخبير الاقتصادي، خالد بوزعكوك، أن الهجوم السيبراني الذي استهدف منظومات مصرف ليبيا المركزي، يمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد الوطني وللمنظومة المصرفية بأكملها، مؤكداً أن تداعياته لا تقتصر على المصرف المركزي وحده، بل تمتد إلى المصارف التجارية والمواطنين على حد سواء، نظراً للترابط الوثيق بين مختلف مكونات القطاع المصرفي الليبي.
وأوضح بوزعكوك، خلال مداخلة على قناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24»، أن استهداف البنية الرقمية للمصرف المركزي وعرقلة عمله ينعكسان بصورة مباشرة على المعاملات المالية اليومية، مبيناً أن توقف المنظومات ولو لفترة محدودة يؤدي إلى تعطيل حسابات الدولة والوزارات والهيئات العامة، فضلاً عن التأثير على نظام “سويفت” للتحويلات الدولية ومنظومة المقاصة بين المصرف المركزي والمصارف التجارية، إضافة إلى خدمات الأغراض الشخصية وفتح الاعتمادات المستندية.
وأشار إلى أن توقف هذه الخدمات لساعات معدودة يترك آثاراً واضحة على النشاط الاقتصادي، متسائلاً عن حجم التداعيات في حال استمر التعطل ليوم كامل، لافتاً إلى أن المصارف المركزية الكبرى حول العالم تلجأ عادة إلى إيقاف بعض الخدمات بشكل احترازي عند التعرض لهجمات إلكترونية واسعة النطاق، بهدف حماية البيانات ومنع أي اختراق إضافي قد يهدد الأمن المالي.
وأضاف أن تأثير الهجوم لا يقتصر على المعاملات الداخلية، بل يمتد أيضاً إلى العلاقات المصرفية الخارجية، حيث توجد تحويلات مالية ومعاملات مع مصارف دولية كانت بانتظار التنفيذ، ما يضاعف حجم التأثير الاقتصادي ويخلق حالة من الإرباك لدى المؤسسات المالية المحلية والدولية المرتبطة بالقطاع المصرفي الليبي.
ولفت بوزعكوك، إلى أن المؤشرات الأولية تفيد بأن الهجوم كان واسعاً ومركزاً واستهدف قواعد بيانات تتعلق بالأرصدة والتحويلات، وفقاً لما ورد في بيان مصرف ليبيا المركزي، الأمر الذي يرفع من مستوى المخاوف بشأن سلامة البيانات وحماية الحسابات المصرفية.
وأكد أن المواطن الليبي يعد من أكثر المتضررين من هذه الحوادث، نظراً لاعتماد شريحة واسعة من المواطنين والموظفين على الخدمات المصرفية الإلكترونية، موضحاً أن ما يقارب 90% من بيانات الحسابات المرتبطة بمنظومة المرتبات والخدمات المالية أصبحت مخزنة داخل منظومات مصرف ليبيا المركزي.
وأوضح بوزعكوك، أن أي اختراق محتمل لهذه البيانات يشكل خطراً كبيراً على خصوصية الحسابات وسرية المعلومات المالية، مشدداً على أن الحفاظ على سرية البيانات يمثل أحد أهم ركائز الثقة في العمل المصرفي، وأن أي مساس بها قد ينعكس سلباً على ثقة العملاء بالمصارف.
كما أشار إلى أن القطاع المصرفي الليبي يواجه في الأصل تحديات تقنية وبنيوية متعددة، من بينها ضعف البنية التحتية الرقمية والانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت، ما يجعل المنظومة المصرفية أكثر عرضة للتأثر بالأعطال والهجمات السيبرانية.
وفي هذا السياق، أكد بوزعكوك، أن توقف خدمات الدفع الإلكتروني في ظل أزمة السيولة النقدية يمثل تحدياً إضافياً، خاصة أن معظم المعاملات التجارية باتت تعتمد على وسائل الدفع الرقمية ومنظومات التحويل الإلكتروني مثل “وان باي” وغيرها، الأمر الذي يجعل أي تعطل في هذه الخدمات ينعكس مباشرة على الحركة التجارية وعمليات البيع والشراء والاحتياجات اليومية للمواطنين.
وأضاف أن المصارف التجارية تكبدت بدورها خسائر مباشرة نتيجة توقف العمل، موضحاً أن يوم عمل كامل دون تقديم خدمات مصرفية يمثل عبئاً اقتصادياً على هذه المؤسسات التي تواصل تحمل مصروفاتها التشغيلية والتزاماتها المالية رغم تعطل النشاط.
وأكد بوزعكوك، أن الساعات التي تلي الهجوم تعد حاسمة في تقييم حجم الأضرار الحقيقية، مشيراً إلى أن مصرف ليبيا المركزي أعلن عزمه إعادة تشغيل معظم المنظومات الحيوية، بما في ذلك نظام “سويفت” والمقاصة الداخلية والخارجية ومنظومات الاعتمادات والأغراض الشخصية، معتبراً أن عودة هذه الخدمات للعمل بشكل طبيعي ستكون مؤشراً على نجاح الجهود الفنية في احتواء الهجوم ومعالجة آثاره.
كما أوضح أن استمرار التذبذب أو تعطل بعض الخدمات قد يشير إلى وجود أضرار أو اختراقات تتطلب وقتاً أطول للمعالجة، لافتاً إلى أن المصارف المركزية تعتمد عادة على أنظمة النسخ الاحتياطي لاستعادة البيانات وضمان استمرارية العمل عند التعرض لمثل هذه الحوادث.
ودعا بوزعكوك، إلى تعزيز منظومات الأمن السيبراني وتحديث الأنظمة الرقمية بصورة مستمرة، إلى جانب الاستعانة بشركات دولية متخصصة تمتلك الخبرة الكافية لسد الثغرات المحتملة وتأمين البنية الرقمية للمصرف المركزي.
وفي معرض حديثه عن توقيت الهجوم، اعتبر بوزعكوك، أن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، وأن تزامن الهجوم مع التطورات الأخيرة المتعلقة بتوحيد المسار الاقتصادي والمصرفي في ليبيا يثير العديد من التساؤلات.
وأوضح أن ما يطرحه في هذا الجانب يمثل قراءة وتحليلاً شخصياً، مفاده أن هناك وفداً اقتصادياً كان من المقرر أن يزور مصرف ليبيا المركزي للتدقيق في البيانات والتحقق من صحة الاعتمادات المستندية ومسارات توريدها، إضافة إلى مراجعة حركة الأموال والعملة الصعبة والتأكد من سلامة الإجراءات المالية المعتمدة.
وأشار بوزعكوك، إلى أن تقارير سابقة أثارت تساؤلات حول إدارة الاعتمادات والنقد الأجنبي، معتبراً أن الهجوم قد يكون محاولة للتشويش على عمليات التدقيق والمراجعة الجارية التي تهدف إلى تتبع الأموال الليبية في الخارج والكشف عن أوجه إنفاقها.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي يعتمد على وكلاء مصرفيين في الخارج لتسهيل عمليات فتح الاعتمادات وتنفيذ المعاملات الدولية، ما يجعل تتبع الأموال والتحويلات أمراً ممكناً من خلال الأنظمة المصرفية المعتمدة، وهو ما يمنح عمليات التدقيق أهمية كبيرة في الكشف عن أي تجاوزات أو مخالفات محتملة.
ورأى بوزعكوك، أن توقيت الهجوم لا يبدو عشوائياً، بل قد يكون مرتبطاً بمحاولات التأثير على إجراءات المراجعة والتحقيق المتعلقة بالاعتمادات والعملة الصعبة، خاصة في ظل انتظار نتائج تدقيق تجريها شركات دولية متخصصة ومحايدة بشأن مسارات الأموال الليبية وأوجه إنفاقها.
وأكد أن هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهات المستفيدة من تعطيل عمليات الرقابة والتدقيق المالي، معتبراً أن الهدف قد يكون التشويش على الوصول إلى الحقائق المتعلقة بإدارة الأموال العامة.
واختتم بوزعكوك، حديثه بالتأكيد على أن من حاول الاستيلاء على أموال الليبيين قد يكون اليوم بصدد محاولة حجب الحقائق المتعلقة بها، معتبراً أن التشويش على عمليات التدقيق المالي قد يكون محاولة لمنع كشف المسارات الحقيقية للأموال العامة وكيفية التصرف فيها.









