بلقاسم: الانفلات الأمني في طرابلس يكشف خللًا هيكليًا

قال الباحث السياسي، إبراهيم بالقاسم، إن معالجة حالة الانفلات الأمني في العاصمة طرابلس وتحقيق نموذج أمني وعسكري مستقر يتطلبان إعادة تقييم شاملة لمنظومة العمل الأمني، في ظل ما وصفه بتضخم أعداد العناصر الأمنية وضعف الكفاءة والتأهيل لدى جزء منها.
وأوضح بالقاسم، في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، أن السلوك الذي صدر عن أحد عناصر جهاز الأمن العام في منطقة السراج بالعاصمة طرابلس، لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه بعض الأجهزة الأمنية في العاصمة، مشيرًا إلى أن تكرار مثل هذه الوقائع يعكس حالة تستدعي الرصد والمراجعة المؤسسية.
وأضاف، أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف قدرة المنظومة الأمنية على رصد الانحرافات الفردية وتقديمها للرأي العام بشكل واضح وشفاف، بما يتيح محاسبة مرتكبيها ويحد من تكرارها، لافتًا إلى أن ما يتم توثيقه عبر الكاميرات يمثل جزءًا محدودًا من حالات مشابهة قد لا يتم الكشف عنها.
وأشار بالقاسم، إلى أن ردود فعل المجتمع تجاه الحادثة عكست حالة رفض واسعة لهذا السلوك، معتبرًا أن هذا الرفض يمثل استفاقة مجتمعية تسهم في تعزيز الرقابة الشعبية على أداء الأجهزة الأمنية ودفعها نحو مزيد من الانضباط والمحاسبة.
وبيّن وجود إشكاليات داخل البنية الأمنية في طرابلس، موضحًا أن تعدد التشكيلات وتفاوت الإمكانيات بين الأجهزة يخلق حالة من عدم التوازن، حيث تحظى بعض الأجهزة بدعم وإمكانيات أكبر مقارنة بمراكز الشرطة التقليدية.
وأكد أن المؤسسة الأمنية في العاصمة شهدت خطوات باتجاه التنظيم وتقنين حمل السلاح، غير أن ذلك لم ينهِ بشكل كامل حالة الانفلات أو السلوكيات غير المنضبطة لدى بعض العناصر، والتي وصفها بأنها “نتاج تراكمات سنوات من الصراع”.
ولفت بالقاسم، إلى أن تقييم الوضع الأمني بين مدن ليبيا يختلف باختلاف الظروف المحلية، مشيرًا إلى أن بعض النماذج الأمنية في مدن أخرى مثل بنغازي حققت قدرًا أكبر من الانضباط، إلا أنه اعتبر أن هذا النموذج لا يمكن تعميمه بشكل مباشر على باقي المدن بسبب اختلاف السياقات الأمنية والاجتماعية.
وشدد على أن ضبط الحالة الأمنية يتطلب رؤية واضحة تقوم على الفصل بين دور المؤسسة العسكرية ودور جهاز الشرطة، بحيث تتولى القوات العسكرية فرض الاستقرار العام، بينما تضطلع الشرطة بمهام الحفاظ على الأمن واستدامته.
وشدد بالقاسم، على أن أي إصلاح للمنظومة الأمنية يجب أن يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتوحيد مرجعيتها، بما يضمن الحد من مظاهر الفوضى والسلوكيات الفردية التي تؤثر على ثقة المجتمع في الأجهزة الأمنية.
وفي سياق آخر، أوضح بالقاسم، أن الأرقام المتداولة بشأن منتسبي الأجهزة الأمنية، ولا سيما وزارة الداخلية، تعكس حجمًا كبيرًا من الموارد البشرية التي لا يقابلها مستوى موازٍ من التدريب والتأهيل، مشيرًا إلى أن تضخم العدد لا يعني بالضرورة فعالية الأداء الأمني.
وأضاف أن الإشكال لا يرتبط بالكم فقط، بل بنوعية العناصر العاملة ومدى جاهزيتها المهنية، لافتًا إلى أن برامج التدريب الحالية تعاني من خلل في المنهج والتطبيق، ما ينعكس سلبًا على أداء المنظومة الأمنية.
واعتبر بالقاسم، أن استمرار إدارة الملف الأمني بهذه الطريقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية نتيجة غياب التخطيط الاستراتيجي وتعدد مراكز القرار، مؤكدًا أن هذا الوضع لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى البنية السياسية والمؤسساتية في البلاد.
وأشار إلى أن الأزمة السياسية في ليبيا تمر بمرحلة معقدة من الانقسام، ما أدى إلى تعثر الوصول إلى تسوية شاملة، محذرًا من أن استمرار تدوير الأجسام السياسية دون حلول جذرية قد يطيل أمد الأزمة دون تحقيق استقرار فعلي.
ورأى بالقاسم، أن الحل لا يكمن في اللجان الحوارية التقليدية فقط، بل في الانتقال إلى مسار سياسي واضح يستند إلى عملية منظمة تقود نحو الانتخابات باعتبارها الخيار الأكثر واقعية للخروج من حالة الانسداد السياسي.
وأضاف أن فكرة الحكومة الموحدة تبقى مهمة من حيث المبدأ، لكنها لا تمثل حلًا كافيًا ما لم ترتبط بخريطة طريق سياسية واضحة تعالج جذور الانقسام وليس فقط نتائجه الشكلية.
وشدد على أن أي تسوية سياسية أو أمنية يجب أن تكون شاملة وتستند إلى إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية وقانونية، بما يضمن الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الحلول المستدامة.
وفيما يتعلق بالمسار السياسي، قال بالقاسم، إن المبادرة الأمريكية تمثل، من وجهة نظره، المسار الأكثر فاعلية في التعامل مع الأزمة الليبية، داعيًا بعثة الأمم المتحدة إلى الانخراط فيها بشكل جاد بدل التعويل على مسار “الحوار المهيكل” الذي اعتبر أنه لن يحقق نتائج جوهرية.
وأوضح أن الحوار المهيكل حقق قدرًا من التوافق في بعض الجوانب، إلا أنه لم يكن قادرًا على تقديم حلول حقيقية لأزمة الانقسام، معتبرًا أن مخرجاته بقيت في إطار التوصيات غير الملزمة.
وأضاف أن البعثة الأممية سعت من خلال هذا المسار إلى إدارة الأزمة أكثر من السعي إلى حل سياسي حاسم، مشيرًا إلى أن توصيفه منذ البداية كان قائمًا على أنه غير ملزم ولا يضمن التنفيذ.
وأشار بالقاسم، إلى أن عرض توصيات هذا المسار على مجلس الأمن قد لا يحظى بدعم واسع في ظل غياب توافق دولي، مؤكدًا أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب مشاركة جميع الأطراف دون استثناء.
وانتقد ما وصفه بغياب المرجعية الواضحة للمسارات السياسية، لافتًا إلى أن تعدد المبادرات وتداخل الأدوار الدولية والمحلية أدى إلى حالة من الغموض في الاتجاه العام للعملية السياسية.
وختم بالقاسم، بالتأكيد على أن استمرار الانقسام داخل النخبة السياسية والمجتمع يعمّق الأزمة ويجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدًا، رغم استمرار طرح مبادرات دولية دون نتائج حاسمة حتى الآن.









