ليبيا

باحث سياسي: تحرك حكومة الدبيبة لحماية النفط أسرع من تحركها لحماية أرواح الليبيين

أكد الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم، أن التطورات الأمنية الأخيرة في مدينة الزاوية لا يمكن اختزالها في اشتباكات محلية بين أطراف مسلحة، معتبراً أنها ترتبط بملفات سياسية وأمنية واقتصادية أوسع، وتتقاطع مع تدخلات خارجية قد تستخدم أطرافاً ليبية لتنفيذ أهداف مرتبطة بأجندات خارجية.

وفي المقابل، رأى أن التطورات الحالية، وما رافقها من ضغط شعبي وتحرك سياسي وأمني، قد تمثل فرصة لإعادة ترتيب الوضع الأمني وتنظيم المؤسسات والقوى الأمنية والعسكرية ضمن قيادة وتنسيق مركزيين.

وأوضح إبراهيم، في مداخلة على قناة «ليبيا الحدث»، ورصدتها “الساعة24” تناولت التطورات الأخيرة في الزاوية وانعكاساتها على المشهد الليبي، أن قراءة الأحداث من زاوية محلية ضيقة تحول دون فهم طبيعة ما يجري، مشيراً إلى أن التصعيد والفوضى قد تكون لهما أهداف تتجاوز حدود المنطقة، وأن أطرافاً ليبية قد تتحول إلى أدوات لتنفيذ أجندات مرتبطة بملفات خارجية.

وربط الباحث المشهد الليبي الراهن بثلاثة ملفات رئيسية اعتبرها ركائز أساسية للدولة، هي المال والأمن والنفط، موضحاً أن التطورات المتعلقة بالمال والمصرف المركزي، والوضع الأمني في شرق ليبيا، وملف النفط في غرب البلاد، لا يمكن فصلها عند تحليل الصورة العامة.

وفي هذا السياق، توقف إبراهيم عند الهجوم الذي استهدف منشآت ومرافق النفط في الزاوية، معتبراً أن استخدام الطائرات المسيّرة في هذا النوع من العمليات يمثل تطوراً لافتاً، ولا سيما مع وصول الهجوم إلى أحد خزانات الوقود واشتعاله.

وتكتسب استهدافات منشآت الزاوية النفطية، بحسب إبراهيم، أهمية خاصة بالنظر إلى موقع المدينة والمنشآت الموجودة فيها ضمن منظومة إنتاج وتصدير النفط الليبي. ولاحظ أن التعامل مع الملف النفطي يبدو، في بعض الأحيان، أكثر حساسية لدى السلطات من التعامل مع الخسائر البشرية الناتجة عن الصراعات المسلحة، مستشهداً بسرعة تحرك الحكومة عقب استهداف خزان نفطي مقارنة بمستوى تعاملها، وفق تقييمه، مع سقوط ضحايا في الصراعات المسلحة.

وأكد أن هذه المقاربة تحتاج إلى مراجعة، لأن حماية أرواح الليبيين وممتلكاتهم وأمن المدن يجب أن تكون في صدارة أولويات مؤسسات الدولة، وليس فقط حماية المنشآت والموارد الاقتصادية.

ويرى إبراهيم أن التطورات الأخيرة أوجدت فرصة يمكن استثمارها لإعادة ترتيب الوضع الأمني، في ظل ضغط شعبي متزايد ورفض محلي لاستمرار الفوضى، إلى جانب مؤشرات على تحرك نحو تنسيق مركزي بين عدد من المؤسسات والقوى الأمنية والعسكرية.

وحذر في الوقت نفسه من إرسال قوة كبيرة من خارج المنطقة إلى داخل مدينة الزاوية بصورة مفاجئة، معتبراً أن مثل هذا الخيار قد ينتج توترات قبلية وجهوية جديدة، ويحوّل المعالجة الأمنية إلى صراع آخر. وبدلاً من ذلك، دعا إلى دعم القوى والمؤسسات المحلية الموجودة، وتعزيز الغرفة المشتركة والقوى الأمنية القائمة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها، مع إخضاعها لقيادة وتنسيق مركزيين تحت سلطة المؤسسات الرسمية.

وشدد على أن وصف بعض التشكيلات القائمة بأنها «مؤسسات دولة» لا يعني الاعتراف بالواقع القائم أو إضفاء الشرعية عليه، وإنما يمثل، بحسب رؤيته، محاولة للبناء على الموجود فعلياً للوصول تدريجياً إلى تفكيك التشكيلات المسلحة أو دمج عناصرها ضمن مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة.

وأضاف أن الإجراءات الإدارية المتعلقة بالترقيات والتمويل والتنظيم الأمني ينبغي ألا تستخدم بطريقة تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية في غرب ليبيا، معتبراً أن بعض السياسات السابقة ساهمت، من وجهة نظره، في إنتاج جزء من حالة الفوضى القائمة.

وأشار إلى أن محاولات إعادة تنظيم الوضع الأمني في غرب ليبيا ليست جديدة، مستشهداً بتحركات جرت خلال السنوات الماضية، بينها محاولات في عامي 2023 و2024 وبداية 2025، إلى جانب تحركات أمنية أخرى، لكنها لم تصل إلى نتائج حاسمة، أو تعثرت وأُجهضت بسبب الخلافات داخل المؤسسات التنفيذية.

ويرى إبراهيم، أن التطورات الحالية تختلف عن المحاولات السابقة من حيث حجم الضغط الشعبي وطبيعة التحرك السياسي، معتبراً أن انتقال الملف بدرجة أكبر إلى مستوى المجلس الرئاسي قد يفتح المجال أمام مقاربة مختلفة.

وفي المقابل، ستواجه الحكومة، بحسب تقديره، تحدياً يتعلق بالصورة التي تحظى بها داخل بعض مناطق غرب البلاد، ولا سيما النظرة إليها باعتبارها حكومة مرتبطة بمدينة أو منطقة بعينها، وهو ما قد يؤثر في قدرتها على إدارة الملف الأمني وقبول ترتيباتها محلياً.

كما حذر من دعم طرف أمني أو عسكري على حساب طرف آخر، معتبراً أن هذا النهج قد يؤدي إلى تكرار تجارب سابقة لم تحقق الاستقرار في مناطق مختلفة من غرب ليبيا، وأن التجربة أثبتت الحاجة إلى تغيير طريقة إدارة الملف الأمني.

وأكد أن المرحلة الراهنة في ليبيا تتطلب تصحيح سياسات الحكومة التي أثبتت فشلها، بدلاً من التعامل معها بمنطق الامتنان أو مطالبة المواطنين بـ«تقبيل يد الحكومة». وشدد على أن الحكومة ومؤسسات الدولة وجدت لخدمة المواطن، وأن المطلوب منها مراجعة سياساتها وتصويب أدائها، لا مطالبة الناس بقبول ما تقدمه باعتباره مِنّة.

وقال بلقاسم إنه يتفق مع الطرح القائل بعدم وجود سياسة عامة واضحة للمؤسسات، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تجنب إعادة إنتاج أخطاء الماضي، خصوصاً في التعامل مع المجموعات المسلحة والتشكيلات التي تُتهم بارتكاب مخالفات أو تجاوزات.

وأكد أن أي جهة أو مجموعة يثبت تورطها في تجاوز القانون أو ارتكاب انتهاكات يجب التعامل معها وفق القانون، بعيداً عن اعتبارها مؤسسة شرعية لمجرد ارتباطها بشكل أو بآخر بالدولة، لافتا إلى أن الحكومة تمتلك أدوات قانونية وأمنية تمكنها من تجفيف منابع الأنشطة غير المشروعة وفرض اللوائح والقوانين على الأجهزة والتشكيلات التابعة لها، فضلاً عن إمكانية تطبيق العقوبات بحق المخالفين.

غير أنه رأى أن أداء الحكومة يسير، في بعض الحالات، في الاتجاه المعاكس من خلال الاستمرار في تقوية مجموعات تمارس سلوكيات منحرفة، الأمر الذي يزيد المشهد تعقيداً.

وأشار إلى أن التحدي لا يقتصر على توصيف الجهات المختلفة، بل يتطلب التمييز بين الأجهزة التي تحاول تنفيذ القانون والمجموعات التي تمارس مخالفات أو أنشطة إجرامية، بما فيها التجارة غير المشروعة والجريمة المنظمة، مؤكداً أن هذه الأخيرة يجب أن تواجه بإجراءات قانونية وأمنية مدروسة.

وفي حديثه عن الخطة الأمنية المطروحة، رأى بلقاسم أن أحد المسارات المهمة يتمثل في الفصل بين الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية والأجهزة التابعة لوزارة الدفاع والجيش، بحيث يلتزم كل طرف باختصاصاته ومهامه، مع استمرار التنسيق في الملفات المشتركة، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة والجريمة المنظمة والإرهاب.

وفي ما يتعلق بكيفية التعامل مع الأحداث الأمنية، شدد بلقاسم على ضرورة ألا تتحول الأزمة إلى صراع مفتوح بين مجموعات مسلحة، داعياً إلى إعطاء النيابة العامة والقضاء دوراً أساسياً في تحديد المسؤوليات وكشف ملابسات الجرائم والانتهاكات.

وقال إن جانباً من المطالب الموجودة في الشارع يتجه إلى مطالبة النائب العام بالتدخل، معتبراً أن وجود مؤسسات قضائية قادرة على إجراء تحقيقات حقيقية من شأنه تحديد المسؤوليات وكشف مرتكبي الجرائم، بحيث يتحمل كل طرف مسؤوليته أمام القانون.

وأكد أن الاحتكام إلى القضاء يمثل المسار الأكثر أهمية لتجنب تحويل الخلافات الأمنية إلى مواجهات مفتوحة، على أن تكون التحقيقات جدية وشفافة وتنتهي إلى نتائج واضحة.

وأشار إلى أن الظروف الاجتماعية والأمنية والمعيشية، فضلاً عن أدوار الإعلام والمشايخ والمنابر والقضاء، ينبغي أن تكون جزءاً من معالجة متكاملة، معتبراً أن غياب هذه العناصر يجعل المواجهة المباشرة أكثر كلفة وأقل ضماناً للنتائج.

وفي ختام حديثه، رأى بلقاسم، أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجه نحو إنشاء غرفة مشتركة للتنسيق والعمل بين الأجهزة الأمنية، ضمن الخطة الأمنية الموضوعة، بحيث تعمل المؤسسات المختلفة وفق اختصاصاتها وبآلية تنسيق واضحة.

وأكد أن نجاح هذا المسار يتطلب الالتزام بالخطة المعلنة، التي يفترض أن تقوم على مراحل ومحطات واضحة تنتهي بصورة تدريجية إلى معالجة ملف المجموعات المسلحة والمخالفين للقانون.

وشدد على أن الحل لا ينبغي أن يقوم على منطق المواجهة الشاملة، بل على مسار تدريجي يميز بين الحالات المختلفة؛ إذ يمكن التعامل مع بعض المجموعات من خلال الاحتواء وإعادة التنظيم، بينما يُحال من تثبت مسؤوليته عن جرائم وانتهاكات إلى القضاء.

ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية إبراهيم التي تركز على تقوية المؤسسات المحلية وإعادة تنظيمها ضمن قيادة مركزية، بدلاً من نقل الصراع من طرف إلى آخر أو فرض ترتيبات أمنية من خارج المنطقة.

وخلص إبراهيم إلى أن ما يجري في الزاوية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مواجهة داخلية محدودة بين مجموعات مسلحة، بل باعتباره جزءاً من أزمة أوسع تتداخل فيها عوامل أمنية واقتصادية وسياسية، مع وجود مؤشرات على تدخلات خارجية واستعمال أطراف محلية في ملفات تتجاوز نطاق المدينة.

وأكد أن المرحلة الحالية تمثل، في تقديره، فرصة نادرة لإعادة بناء منظومة أمنية أكثر تنظيماً، مستفيدة من الضغط الشعبي والإرادة السياسية والتنسيق بين المؤسسات، على أن تكون المعالجة تدريجية وقائمة على تقوية مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية النظامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى