اخبار مميزةليبيا

اللافي: المحاكم العسكرية تعاملت مع قضايا الإرهاب وفقًا للإجراءات القانونية

أكد القانوني والباحث السياسي محمد اللافي أن معالجة قضايا الإرهاب في مدن بنغازي ودرنة وسرت ومناطق الجبل الأخضر خلال سنوات المواجهة مع التنظيمات الإرهابية تمت في إطار تشريعي وإجرائي استثنائي فرضته الظروف الأمنية التي مرت بها البلاد، مشدداً على أن الأحكام القضائية، بما فيها أحكام الإعدام، لا ينبغي فصلها عن السياق القانوني والإجرائي الذي صدرت فيه.

وأوضح اللافي، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” تابعتها صحيفة الساعة24، تناولت مدى مشروعية المحاكم العسكرية واختصاصها في قضايا الإرهاب، أن المشرّع الليبي وضع إطاراً قانونياً خاصاً للتعامل مع الجرائم المرتبطة بالإرهاب، مشيراً إلى صدور القانون رقم 36 لسنة 2014، الذي تناول تعريف الإرهاب والتطرف والجرائم المرتبطة به، ونظم اختصاص الجهات القضائية والنيابة المختصة بالتحقيق في تلك الوقائع.

وأضاف أن التطورات الأمنية التي شهدتها مدن الشرق الليبي، ولا سيما بنغازي ودرنة، حالت في فترات معينة دون ممارسة النيابة العامة لاختصاصاتها بالشكل المعتاد، في ظل استمرار العمليات العسكرية وسيطرة الجماعات المسلحة على مناطق داخل تلك المدن.

وأشار إلى أن القانون رقم 4 لسنة 2017 عدّل الإطار السابق، ومنح النيابة العسكرية اختصاصاً في التحقيق في الجرائم التي تمس أمن الدولة، ومن بينها الوقائع المرتبطة بالإرهاب، موضحاً أن هذا الاختصاص جاء في سياق أمني وقضائي استثنائي، واستمر التعامل بموجبه مع عدد كبير من الملفات التي أحيلت إلى النيابة والمحاكم العسكرية.

وقال اللافي إن النيابة العسكرية تعاملت مع عدد كبير من الملفات المتعلقة بجرائم الإرهاب والقتل والاعتداءات التي شهدتها المدن المتضررة من نشاط التنظيمات المسلحة، لافتاً إلى أن عدد الملفات كان كبيراً إلى درجة أن بعضها استغرق سنوات طويلة قبل استكمال التحقيقات وإجراءات المحاكمة.

وأضاف أن مدينة درنة، على وجه الخصوص، عاشت بين عامي 2011 و2018 مراحل متعاقبة من سيطرة جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة، الأمر الذي انعكس على الوضع الأمني والقضائي فيها، وأدى إلى وقوع عمليات قتل واغتيال استهدفت مدنيين وأفراداً من الأجهزة الأمنية والعسكرية وأعضاء في السلطة القضائية.

واعتبر أن اغتيال عدد من القضاة وأعضاء النيابة العامة في تلك المرحلة يمثل دليلاً على حجم المخاطر التي واجهتها مؤسسات العدالة، مستشهداً باغتيال عدد من القضاة وأعضاء النيابة في درنة، بينهم المستشار عبد العزيز الحصادي والمستشار يوسف صالح الكريم والمستشار محمد نجيب هويدي، إضافة إلى المستشار والمحامي العام محمد النعاس خليفة النعاس، بحسب ما أورده في مداخلته.

وشدد على أن استهداف رجال القضاء لم يكن، في نظره، مجرد أحداث أمنية منفصلة، وإنما كان جزءاً من حالة صراع مع مؤسسات الدولة، موضحاً أن بعض الجماعات المسلحة كانت ترفض أصلاً مبدأ القضاء المدني وتصفه بالقضاء الوضعي.

ورداً على الانتقادات الموجهة إلى المحاكم العسكرية، قال اللافي إن الإجراءات المتبعة في القضايا التي نظر فيها القضاء العسكري تضمنت، بحسب الملفات التي اطلع عليها، ضمانات للمتهمين، بما في ذلك حق الاستعانة بمحامين والاطلاع على أوراق القضية والمرافعة أمام المحكمة.

وأوضح أن المتهم الذي كان قادراً على توكيل محامٍ خاص كان بإمكانه ذلك، بينما كانت الدولة توفر محامين للمتهمين غير القادرين على تحمل تكاليف الدفاع، مشيراً إلى وجود محامين منتدبين في بنغازي والبيضاء ودرنة وفق الاختصاص المكاني للمحاكم.

وأكد أن اطلاعه على عدد من الملفات بصفته محامياً ومختصاً في قانون الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي أتاح له، بحسب قوله، متابعة جانب من الإجراءات بصورة مباشرة، معتبراً أن بعض القضايا استغرقت وقتاً طويلاً بسبب طبيعة الوقائع وتعقيدها وتعدد المتهمين والأدلة.

وأضاف أن التحقيقات لم تنتهِ دائماً إلى الإدانة، مشيراً إلى وجود متهمين تمت تبرئتهم من وقائع خطيرة نُسبت إليهم بعد ظهور أدلة لم تكن كافية لإثبات مسؤوليتهم الجنائية.

وفيما يتعلق بأحكام الإعدام، شدد اللافي على ضرورة التمييز بين صدور الحكم من محكمة أول درجة وبين الحكم النهائي الذي يصبح واجب التنفيذ بعد استنفاد طرق الطعن والمراجعة التي يقررها القانون.

وأوضح أن بعض الأحكام التي صدرت في قضايا الإرهاب خضعت للمراجعة أمام المحكمة العليا، وأن وجود حكم صادر عن محكمة عسكرية لا يعني، في حد ذاته، أنه حكم نهائي واجب التنفيذ، مؤكداً أن المسألة القانونية ترتبط بدرجات التقاضي وما إذا كان الحكم قد أصبح باتاً ونهائياً وفقاً للقواعد الإجرائية المعمول بها.

وأشار إلى أن المحكمة العليا أعادت، في إحدى القضايا التي تناولها، الملف إلى القضاء المدني لإعادة المحاكمة، معتبراً أن ذلك يعكس وجود رقابة قضائية على الأحكام وعدم التعامل معها بصورة آلية.

وأضاف أن تنفيذ حكم الإعدام، من الناحية القانونية، يفترض أن يكون مبنياً على حكم نهائي مستوفٍ لجميع الإجراءات والضمانات القانونية، وليس بمجرد صدور حكم ابتدائي من محكمة ما.

وتطرق اللافي إلى ملف المحتجزين الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن وقضوا المدد المحكوم بها، إضافة إلى من انتهت قضاياهم بالبراءة، مشيراً إلى الإفراج عن أعداد كبيرة من المحتجزين في قضايا الإرهاب خلال السنوات الماضية.

وقال إن هناك، بحسب ما ذكره، حالات أُفرج فيها عن متهمين بعد انقضاء مدد العقوبة، معتبراً أن احترام الحكم القضائي يقتضي الإفراج عن المحكوم عليه عند انتهاء مدة العقوبة، كما يقتضي احترام أحكام البراءة والإفراج عن أصحابها.

وأكد أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يكون انتقائياً، وأن الدولة مطالبة بالتعامل مع المتهمين والمحكوم عليهم وفق الأحكام القضائية الصادرة بحقهم، سواء انتهت القضية بالإدانة أو البراءة أو بانقضاء مدة العقوبة.

وقال إن ملف الإرهاب كان شديد التعقيد، وإن بعض العائلات فقدت السيطرة على أبنائها، بينما تورط أفراد آخرون من أسر مختلفة في دعم أو مرافقة الجماعات المسلحة، مؤكداً أن المسؤولية الجنائية تظل شخصية ولا تنتقل إلى الأقارب لمجرد صلة الدم.

وأضاف أن التعامل مع أسر المتهمين يجب أن يخضع للقانون والأدلة، بعيداً عن الانتقام الجماعي أو تحميل الأب أو الأم أو الإخوة مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وانتقد اللافي ما وصفه بمحاولات الفصل بين التنظيمات والجماعات المسلحة التي نشطت في بنغازي ودرنة من خلال التركيز على اختلاف المسميات والانتماءات، معتبراً أن ذلك قد يحجب طبيعة الجرائم التي ارتكبتها تلك الجماعات.

وفي ختام مداخلته، اعتبر اللافي أن بناء الدولة الليبية يتطلب وجود مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية قادرة على أداء وظائفها، مشيراً إلى أن استعادة الأمن في بنغازي ودرنة ومناطق أخرى مهد الطريق، بحسب تعبيره، لمرحلة إعادة الإعمار والاستقرار.

وقال إن القيادة العامة للقوات المسلحة كان لها، من وجهة نظره، دور رئيسي في العمليات العسكرية التي انتهت إلى إخراج الجماعات المسلحة من تلك المدن، معتبراً أن استعادة مؤسسات الدولة لأدوارها يجب أن تترافق مع احترام القانون والقضاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى