اخبار مميزةليبيا

العوامي: المرتبات تلتهم 60% من أموال القطاع الصحي

أكد حاتم العوامي، مدير مستشفى الجمهورية بنغازي، أن معالجة أزمة القطاع الصحي في ليبيا تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحديث عن حجم الإنفاق المالي، لتشمل كيفية إدارة الموارد المالية والبشرية، وربط الإنفاق بمؤشرات واضحة تقيس مستوى الخدمة الصحية المقدمة للمريض.

وقال العوامي، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها “الساعة 24″، حول واقع القطاع الصحي، إن الظروف التي مرت بها ليبيا منذ عام 2011، وما صاحبها من عدم استقرار وغياب سياسات إنفاق واضحة، انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الصحية، إلى جانب التداعيات التي خلفتها جائحة كورونا على المنظومة الصحية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، لا تكمن في حجم الأموال التي تُنفق على القطاع، وإنما في أوجه الإنفاق وآليات إدارته ومدى ارتباطه بالخدمة المقدمة للمواطن، مشدداً على ضرورة اعتماد مؤشرات أداء حقيقية يكون المريض محوراً أساسياً فيها.

وأضاف أن الإعلان عن إنفاق مليارات الدينارات على القطاع الصحي لا يكفي وحده لتقييم أداء المنظومة، ما لم تُوضح أوجه توزيع هذه الأموال، مشيراً إلى أن أكثر من 60% من الإنفاق، وفق الأرقام التي استند إليها في حديثه، يذهب إلى مرتبات العاملين في القطاع الصحي.

وأشار العوامي إلى أن توضيح تفاصيل الإنفاق للمواطن من شأنه أن يزيل حالة الالتباس بين حجم الأموال المرصودة وبين ما يراه المواطن فعلياً من خدمات على أرض الواقع، مؤكداً أن الشفافية في عرض الأرقام وتفصيل أبواب الصرف تمثل خطوة أساسية لفهم حقيقة الوضع.

وانتقد العوامي ما وصفه بتشتت منظومة إدارة القطاع الصحي، موضحاً أن وزارة الصحة لم تعد تملك السيطرة الكاملة على مختلف مكونات القطاع، مع تعدد الهيئات والمؤسسات الصحية واختلاف تبعياتها الإدارية والمالية.

وقال إن هذا الوضع أدى إلى صعوبة تحديد المسؤوليات ومتابعة الإنفاق بصورة شاملة، مضيفاً أن الوزارة أصبحت في بعض الحالات مجرد هيكل إداري محدود الصلاحيات، بينما توزعت مسؤوليات تقديم الخدمات والتمويل بين جهات وهيئات متعددة.

وأكد أن المسؤولية الإدارية لا يمكن أن تكون كاملة من دون امتلاك أدوات التحكم في الموارد والإنفاق، لافتاً إلى أن جانباً مهماً من المشكلة يتمثل في عدم انتظام التمويل المخصص للمؤسسات الصحية.

وأوضح مدير مستشفى الجمهورية أن انتظام التمويل يمثل عاملاً حاسماً في قدرة المستشفيات على التخطيط وتقديم الخدمة، قائلاً إن حصول المؤسسة الصحية على نصف احتياجاتها بصورة منتظمة قد يكون أكثر فاعلية من حصولها على ضعف التمويل بصورة متقطعة وغير منظمة.

وأشار إلى أن تأخر التحويلات المالية يضع المستشفيات أمام التزامات متراكمة، ويصعّب عليها تنفيذ خططها التشغيلية، كما يخلق إشكالات مرتبطة بتراكم الديون وعدم وضوح الموارد المتاحة خلال العام المالي.

وأضاف أن انتظام التمويل يسمح للمؤسسات الصحية بوضع خطط واضحة للإنفاق على الأدوية والمستلزمات والتدريب وغيرها من الاحتياجات، كما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع الشركات والموردين بصورة منظمة.

وشدد العوامي على أن إصلاح القطاع الصحي لا يقع على عاتق وزارة الصحة وحدها، بل يتطلب تكامل جميع حلقات منظومة التمويل، بدءاً من مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية وصولاً إلى المؤسسات الصحية ومقدمي الخدمة.

ودعا إلى نشر بيانات تفصيلية توضح حجم التحويلات المالية التي تحصل عليها المؤسسات الصحية، وتواريخ التحويلات وقيمتها، بما يسمح بمتابعة الإنفاق وتقييم أثره على الخدمات الصحية.

وأكد أن المشكلة الأساسية تتمثل في التخطيط، داعياً إلى الانتقال من الحديث العام عن حجم الإنفاق إلى تحديد ما يحتاجه كل مرفق صحي، وما هي الخدمة التي يقدمها، وما الموارد المطلوبة لتحقيق مستوى محدد من الأداء.

وفيما يتعلق بالموارد البشرية، رفض العوامي اختزال المشكلة في وجود نقص في الكوادر الطبية، مشيراً إلى ضرورة وجود قاعدة بيانات دقيقة توضح أعداد الخريجين والتخصصات المتاحة والتخصصات التي تعاني نقصاً فعلياً، إلى جانب تحديد احتياجات المناطق المختلفة.

وقال إن التخطيط للموارد البشرية يجب أن يكون مشتركاً بين وزارتي الصحة والتعليم والجهات المختصة بالتدريب والتخصص، بحيث يتم ربط أعداد الخريجين باحتياجات النظام الصحي الفعلية.

وانتقد اللجوء إلى استقدام كوادر طبية أجنبية من دون وجود رؤية واضحة تحدد الحاجة الفعلية إليها، مشيراً إلى أن ليبيا تمتلك أعداداً كبيرة من الأطباء والخريجين الذين يحتاجون إلى فرص للتعيين والتدريب والتخصص.

وأضاف أن مستشفى الجمهورية لديه، بحسب ما ذكر، أكثر من 300 طبيب ما زالوا ينتظرون استكمال إجراءات الإفراج والتعيين، معتبراً أن إدارة الموارد البشرية يجب أن تقوم أولاً على معرفة الإمكانات المحلية وتوظيفها وتطويرها قبل البحث عن بدائل خارجية.

وأكد أن الاستفادة من الخبرات الأجنبية يمكن أن تكون جزءاً من المنظومة، لكن ينبغي أن ترتبط باحتياجات محددة وبرامج تدريب ونقل خبرة، لا أن تكون بديلاً عن التخطيط للكوادر الوطنية.

وأشار العوامي إلى أن ليبيا بحاجة إلى مراجعة شاملة لنظامها الصحي، والاستفادة من التجارب الدولية بدلاً من محاولة بناء منظومة منفصلة عن التجارب المعروفة في إدارة الصحة العامة والتمويل والتأمين الصحي.

وأوضح أن النظام الصحي الليبي واجه صعوبة في الجمع بين مجانية الخدمات الصحية العامة، ودور القطاع الخاص، ونظم التأمين الصحي، داعياً إلى تطوير التشريعات بما يتناسب مع الواقع الحالي واحتياجات المواطنين.

وقال إن بعض التجارب المحدودة في مجال التأمين الصحي، بما فيها تجارب بعض المؤسسات والشركات، يمكن دراستها والاستفادة منها عند وضع نموذج وطني أكثر شمولاً.

وأكد العوامي أن القطاع الخاص لا ينبغي النظر إليه باعتباره منافساً للقطاع العام، مشيراً إلى أنه يتحمل جزءاً من الضغط الواقع على المؤسسات الصحية العامة.

وأوضح أن عدداً من المستشفيات في بنغازي تعرض للإغلاق أو توقف عن العمل بسبب أعمال الصيانة والظروف التي مرت بها المدينة، ما أدى إلى ارتفاع الضغط على المستشفيات والمراكز العاملة.

وأشار إلى أن مركز بنغازي الطبي والمراكز التخصصية والمستشفيات العاملة في المدينة تقدم خدمات بأضعاف الطاقة التي يفترض أن تعمل بها، في ظل عدم انتظام الميزانيات وارتفاع أعداد الحالات التي تستقبلها.

وختم العوامي بالتأكيد على أن واقع القطاع الصحي لا ينبغي تصويره بصورة سوداوية مطلقة، مشيراً إلى وجود كوادر ومؤسسات تقدم خدمات يومية وتنقذ أعداداً كبيرة من المرضى، لا سيما في الحالات الحرجة والحوادث.

وشدد على أن الأولوية تتمثل في تنظيم الإنفاق وربطه بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، بدلاً من التعامل مع القطاع بمنطق عاطفي أو تحاملي، مؤكداً أن تقييم القطاع يجب أن ينطلق من جودة الخدمة التي يحصل عليها المريض، وليس من حجم الأموال التي جرى إنفاقها فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى