ليبيا

“العجيلي”: مليارات الإنفاق الصحي لا تكفي في ظل سوء إدارة الموارد وتأخر الميزانيات

أكد مدير عام المستشفى الجامعي طرابلس، نبيل العجيلي، أن أزمة القطاع الصحي في ليبيا لا ترتبط فقط بحجم الأموال المخصصة له، وإنما بصورة أساسية بآليات إدارة الموارد والميزانية، وتأخر صرف المخصصات، وعدم انتظام التمويل، إلى جانب ارتفاع تكلفة المستلزمات والأدوية نتيجة الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد وتقلبات سعر الصرف.

وقال العجيلي، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، إن “الكم لا يعني الكيف”، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق الصحي يذهب إلى المرتبات، في حين تعاني المستشفيات من نقص التمويل التشغيلي اللازم لتوفير الأدوية والمستلزمات والتجهيزات والخدمات الأساسية.

وأضاف أن ليبيا لا تنتج محليًا حتى أبسط المستلزمات الطبية، بما فيها الإبر، الأمر الذي يضطرها إلى استيراد احتياجاتها بالدولار، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعر الصرف ينعكس بصورة مباشرة على القيمة الفعلية للميزانيات المخصصة للقطاع الصحي.

وأوضح أن مقارنة الإنفاق الصحي الليبي بالإنفاق في دول أخرى لا يمكن أن تتم بمعزل عن حجم الاقتصاد وأسعار الصرف وطبيعة الاحتياجات، مشيرًا إلى أن دولًا تنفق ما بين 3 و10 في المئة من دخلها على الصحة، إلا أن المشكلة الليبية، بحسب رأيه، لا تكمن في حجم الميزانية وحده، وإنما في إدارة الموارد وكيفية توجيهها.

وأشار إلى أن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه مديري المستشفيات تتمثل في تأخر إقرار الميزانيات وصرف المخصصات، موضحًا أن ميزانية المستشفى قد تُقر في شهري مارس أو أبريل، بينما لا تبدأ إجراءات التسييل والصرف الفعلي إلا في يونيو أو يوليو.

ولفت إلى أن المستشفى خلال هذه الفترة يكون مطالبًا بتقديم خدماته بصورة مستمرة لمرضى يحتاجون إلى الأدوية والرعاية والمعدات والتجهيزات، رغم عدم توفر التمويل اللازم في موعده.

وأضاف: “المريض لا ينتظر”، مبينًا أن إدارة المستشفى تجد نفسها مضطرة إلى التصرف في حدود الممكن لتوفير الاحتياجات الأساسية واستمرار العمل، رغم أن ذلك قد يؤدي إلى اختلالات في أبواب الميزانية.

وضرب العجيلي، مثالًا بميزانية تشغيلية لمستشفى خلال إحدى السنوات، موضحًا أن المخصص التشغيلي كان يبلغ 22 مليون دينار، بينما أُقرت لاحقًا مخصصات بقيمة 30 مليون دينار، لكن ما وصل فعليًا إلى المستشفى لم يتجاوز 14 مليون دينار.

وأوضح أن الميزانية التشغيلية تشمل الأدوية والتغذية والنظافة والتخلص من النفايات الطبية وغيرها من المصروفات الضرورية لاستمرار العمل، الأمر الذي يجعل الفارق بين المبلغ المقرر والمبلغ المصروف سببًا مباشرًا في زيادة الضغوط على إدارة المستشفى.

وعن الإنفاق الدوائي، أشار العجيلي إلى أن احتياجات مرضى الأورام وحدها تتطلب مخصصات مالية كبيرة، في ظل ارتفاع أسعار الأدوية عالميًا وارتفاع تكلفة استيرادها نتيجة سعر الصرف.

وأوضح أن احتياجات أدوية الأورام قد تصل إلى ما بين 500 و600 مليون دولار، بينما لا تتناسب المخصصات المالية المتاحة مع هذا الحجم من الاحتياجات، مشيرا إلى أن منح الإمداد الطبي نحو 900 مليون دينار، عند احتسابها بسعر الصرف، لا توفر سوى جزء محدود من القيمة الدولارية المطلوبة لتغطية الاحتياجات، مؤكدًا أن “الأرقام وحدها لا تعني شيئًا” ما لم تقترن بإدارة فعالة للميزانية واحتساب الأسعار العالمية وسعر صرف الدينار.

وأكد أن إصلاح القطاع الصحي لا يقتصر على زيادة الميزانية، بل يتطلب إعادة تنظيم آليات التمويل والإنفاق، مشيرًا إلى مشاركته خلال الفترة من 2011 إلى 2014 في مشروع لإصلاح وتطوير النظام الصحي بمشاركة خبراء ليبيين وأجانب، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

وأوضح أن المشروع بحث في البداية مسألة الحوكمة، وكيفية بناء نظام صحي أكثر استدامة، وخلص إلى أن الاعتماد الكامل على ميزانية الدولة في تمويل الصحة ليس كافيًا، وأن هناك حاجة إلى مساهمة مجتمعية منظمة في تمويل الخدمات الصحية.

كما أشار إلى إنشاء صندوق التأمين الصحي الاجتماعي لاحقًا، موضحًا أن الاشتراكات المفترض تحصيلها من خصميات المرتبات لم تكن تصل بالمستوى المطلوب، وهو ما حدّ من قدرة الصندوق على تغطية شرائح واسعة من المجتمع.

وأضاف أن التأمين الصحي تمكن بصورة أفضل من متابعة بعض الفئات، ومن بينها المتقاعدون، لكنه لم يصل إلى مستوى التغطية الشاملة.

وأكد أن التصور الذي يراه مناسبًا يتمثل في أن يكون التمويل الصحي قائمًا على مساهمة الليبيين، وأن يشمل جميع المواطنين، ويغطي الخدمات المقدمة في القطاعين العام والخاص.

وأوضح أن المستشفى الجامعي طرابلس حاول الاستفادة من موارد التأمين الصحي من خلال وضع تسعيرة للخدمات الطبية، بما يسمح بتمويل الخدمات التي يقدمها المستشفى، إلا أن التجربة لم تحقق الاستمرارية المطلوبة.

وقال إن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر الخدمة، بل بقدرة المستشفى على ضمان استمرار التمويل والإمكانات اللازمة لها.

وأشار إلى تجربة قسم جراحة قلب الكبار، حيث جرى العمل بنظام شراء الخدمة، باستخدام طواقم وإمكانات المستشفى، مع توفير بعض المستلزمات من خلال شركة متعاقدة مع وزارة الصحة.

وأوضح أن القسم تمكن خلال ستة أشهر من إجراء نحو 300 عملية قلب مفتوح، معظمها من الحالات المعقدة، وارتفع العدد خلال عام إلى أكثر من 650 عملية، فيما أجريت نحو 1500 عملية قسطرة قلبية خلال ستة أشهر، وكانت خدمة القسطرة تعمل على مدار الساعة.

وأكد أن هذه النتائج تحققت عندما توفرت الإمكانات والحوافز المالية للعناصر الطبية والطبية المساعدة، إلا أن المشروع توقف بعد تعثر سداد مستخلصات الشركة المتعاقدة، وعدم توفر الموارد المالية اللازمة لدى المستشفى لإبرام عقد جديد معها.

وقال إن هذه التجربة توضح أن توفير الخدمة الطبية يحتاج إلى تمويل منتظم ومستمر، وليس إلى تمويل مؤقت ينتهي بمجرد نفاد المخصصات.

وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، قال العجيلي إن المستشفيات الليبية تواجه أزمة متزايدة في استبقاء الأطباء والعناصر الطبية والطبية المساعدة، نتيجة ضعف المرتبات والحوافز وتأخر المستحقات.

وأوضح أن عددًا من الأطباء والأخصائيين والمستشارين توجهوا إلى مناطق أخرى أو إلى القطاع الخاص بعد تلقيهم وعودًا بالحصول على علاوات ومقابل مالي إضافي، إلا أن عدم انتظام صرف هذه المستحقات أدى في بعض الحالات إلى عودة الكوادر بعد فترة قصيرة.

وأشار إلى أن الطبيب في القطاع العام يواجه وضعًا ماليًا لا يتناسب مع طبيعة عمله ومسؤولياته، خاصة بعد إلغاء أو دمج عدد من العلاوات المرتبطة بالخطر والتمييز والإشراف والمناوبة ضمن المرتب الأساسي.

وأضاف أن الفوارق المحدودة بين مرتبات الأطباء بمختلف درجاتهم الوظيفية، بما في ذلك الطبيب حديث التخرج، تمثل عاملًا إضافيًا يدفع بعض الكوادر إلى البحث عن مصادر دخل أخرى في القطاع الخاص.

وقال إن ليبيا تواجه حاليًا “أزمة موارد بشرية”، مؤكدًا أن الدولة بحاجة إلى الاستثمار في الطبيب والممرض وفني المختبر وجميع عناصر المنظومة الصحية، وليس التركيز على الإنفاق على المباني والتجهيزات فقط.

وأكد العجيلي أن تطوير القطاع العام يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط عن القطاع الخاص، موضحًا أن المواطن يضطر إلى اللجوء للقطاع الخاص عندما تتوقف الخدمات أو تنقص الإمكانات في المستشفيات العامة.

ونوة بأن بعض الخدمات التي تم تشغيلها داخل المستشفى خلال فترات توفر التمويل والإمكانات قدمت نتائج جيدة، وقللت الحاجة إلى تحويل المرضى إلى القطاع الخاص.

كما أوضح أن نجاح أي خدمة تخصصية يتطلب توفير الإمكانات الطبية والمستلزمات بصورة مستمرة، إضافة إلى وجود حوافز مناسبة للكوادر الطبية، معتبرًا أن توقف التمويل يؤدي في النهاية إلى توقف الخدمة مهما كانت نتائجها الأولية جيدة.

وفي حديثه عن حجم الجهاز الوظيفي في القطاع الصحي، أشار العجيلي إلى وجود نحو 197 ألف موظف، مبينًا أن الأطباء يمثلون نسبة محدودة من هذا العدد، وتقدر بنحو 10 في المئة وفق ما طرحه خلال المداخلة.

وأكد أن معالجة أزمة القطاع الصحي تتطلب أولًا معرفة دقيقة بتركيبة القوى العاملة وتوزيعها، ثم إعادة تنظيم الموارد البشرية بما يتناسب مع احتياجات المستشفيات والتخصصات المختلفة.

وحذر من استمرار فقدان الكوادر الطبية، خصوصًا في ظل مطالب الأطباء والعناصر الطبية والطبية المساعدة بتحسين المرتبات وتسوية المستحقات المتأخرة.

ولفت إلى وجود مستحقات مالية متأخرة لبعض العاملين، موضحًا أن بعض الأطباء قد يعملون لسنوات قبل تسوية مرتباتهم أو علاواتهم، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرارهم الوظيفي.

وقال العجيلي، إن استمرار الأوضاع الحالية يضع المستشفيات أمام خيار صعب، إذ قد تضطر بعض الأقسام إلى تقليص أو تعليق خدماتها عندما لا تتوفر المستلزمات.

وضرب مثالًا بقسم جراحة العظام، موضحًا أن عدم توفر بعض المستلزمات، مثل مفاصل الركبة، لفترات تصل إلى ستة أشهر، يجعل من الصعب على الأطباء تقديم الخدمة المطلوبة للمرضى.

وأضاف أن إغلاق المستشفى أو توقف بعض الخدمات لا يضر بالمؤسسة وحدها، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على المواطن، الذي يجد نفسه مضطرًا للبحث عن الخدمة في القطاع الخاص وتحمل تكاليف إضافية.

ورغم الصعوبات، أكد العجيلي، أنه لا يزال متفائلًا بإمكانية إصلاح القطاع الصحي، مشددًا على أن الإمكانات البشرية والخبرات موجودة، وأن الأطباء والعاملين في القطاع الصحي يواصلون أداء واجبهم رغم نقص الإمكانات.

وقال إن إصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة، تبدأ من آليات التمويل والإنفاق، مرورًا بإدارة الموارد البشرية، ووصولًا إلى تنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص والتأمين الصحي.

وأشار إلى أن أي خطة إصلاح لن تكون قابلة للتنفيذ ما لم تتوفر لها آلية إنفاق واضحة ومنتظمة تضمن وصول المخصصات في الوقت المناسب، وبالقيمة التي تسمح للمستشفيات بتقديم الخدمات المطلوبة.

وأكد أن المشكلة لا تكمن في نقص الأموال وحده، وإنما في طريقة إدارة الأموال وتوقيت وصولها وكيفية توزيعها، معتبرًا أن إعادة تنظيم الإنفاق الصحي وإدارة الموارد تمثل نقطة البداية لأي إصلاح حقيقي ومستدام للمنظومة الصحية في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى