بوكليب: السوق الموازية في ليبيا لم تعد توازي السياسة النقدية بل أصبحت تملي مسارها

قال الكاتب الليبي جمعة بوكليب إن السوق الموازية، التي عُرفت تاريخياً باسم «السوق السوداء»، لم تعد موازية للسياسة النقدية الرسمية في ليبيا بقدر ما أصبحت هي التي تُملي مسارها، موضحاً أن وصفها بـ«السوق الموازية» جاء في السنوات الأخيرة تمييزاً لها عن سوق أخرى يُفترض أنها رسمية.
وأوضح بوكليب في مقال له تابعته صحيفة الساعة24 أن «الأسواق الموازية» ظاهرة قديمة وليست بدعة ليبية، خاصة في البلدان التي تخضع فيها السلع والعملات لاحتكار الحكومات، مشيراً إلى أن الحالة الليبية تتميز بأن سوقها الموازية جاءت واستوطنت نتيجة عوامل خارجية وداخلية تضافرت معاً.
وأشار إلى أن جذور الظاهرة يمكن تتبعها إلى فترة العقوبات الدولية التي فُرضت على النظام السابق إثر اتهامه بتفجير طائرة «لوكربي» أواخر 1988، وما استتبعها من سياسة مالية تقشفية، حيث ظهرت السوق الموازية ووفرت للمواطن احتياجاته غير المتوفرة في الأسواق الحكومية الفارغة.
وأضاف أن السوق الموازية لم تتراجع بعد رفع العقوبات وعودة النظام إلى المسرح الدولي عقب تسوية ملف «لوكربي»، بل ترسخت أكثر، وتضاعف نفوذها بعد 2011، حين تحول غياب الدولة الموحدة من استثناء مؤقت إلى قاعدة مستمرة.
ولفت بوكليب إلى أنه منذ عام 2014 تقريباً، لم تعد ليبيا تمتلك سلطة نقدية واحدة بالمعنى الفعلي، إذ انقسم مصرف ليبيا المركزي إدارياً بين فرع في طرابلس وآخر في بنغازي-البيضاء لسنوات طويلة، بالتوازي مع انقسام السلطة التنفيذية نفسها بين حكومتين تتنازعان الشرعية والإيرادات النفطية.
وأوضح أن غياب مرجعية نقدية موحدة قادرة على ضبط المعروض من العملة الصعبة وتوزيعها بشفافية، دفع المواطن والتاجر إلى اللجوء إلى سوق توفر له ما تعجز المؤسسات الرسمية عن توفيره أو حتى الاتفاق على آلية توفيره.
وبيّن أن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي لم تكن يوماً هامشية، إذ بلغت في بعض المحطات أكثر من ضعف السعر الرسمي المعلن من المصرف المركزي، قبل أن تعمد السلطة النقدية إلى إجراء تعديلات متكررة على سعر الصرف الرسمي، كان آخرها تخفيضات متتالية، في محاولة لتضييق الفجوة دون أن تنجح في إغلاقها كلياً.
وأضاف أن هذه الفجوة هي مصدر ريع يغذي شبكات مصالح، موضحاً أن من يملك حق الوصول إلى العملة بالسعر الرسمي المدعوم، عبر الحصول على اعتمادات مصرفية لشركات لا وجود لها، يمكنه بيعها في السوق الموازية وتحقيق أرباح فورية، ما يجعل «القضاء على السوق الموازية» أقرب إلى شعار سياسي منه إلى هدف تسعى إليه فعلياً أطراف مستفيدة من استمرارها.
وفي ظل هذا الواقع، أشار بوكليب إلى أن محافظ المصرف المركزي تعهد أكثر من مرة بـ«إعادة الصحة إلى الدينار الليبي المريض» والقضاء على السوق الموازية، إلا أن الخطوات المتخذة، من تعديل سعر الصرف الرسمي إلى فرض رسوم على النقد الأجنبي، أخفقت في كسر سطوتها، لأنها عالجت السعر دون معالجة سبب المشكلة، المتمثل في غياب مرجعية سياسية ونقدية واحدة تحتكر شرعية إصدار العملة وتوزيعها.
ولفت إلى أن السوق الموازية اختارت لنفسها موقعاً في طرابلس يتموضع مباشرة خلف الجدار الخلفي للمصرف المركزي، بحيث يستطيع المحافظ وموظفوه، عبر النوافذ، مراقبة تقلبات سعر الدولار صعوداً وهبوطاً من خلال ضجيج أصوات الباعة والمشترين، معتبراً أن هذا المشهد يختصر المسافة إلى بضعة أمتار فقط بين السياسة النقدية المعلنة وواقعها الفعلي.









