تشاد بعد غياب إدريس ديبي الواقع والتحديات 

ياسين عبد القادر الزوي/ باحث في الشؤون الإفريقية.

لم يكن يوم 20 إبريل 2021 يومًا عاديًا في أفريقيا، ففيه استيقظ الجميع على خبر وفاة إدريس ديبي رئيس جمهورية تشاد، قتل في معركة ضد الجماعات المتمردة التي تسعى لإسقاطه بقوة السلاح.

أسئلة كثيرة طرحت؛ كيف لرئيس دولة أن يقتل في معركة ؟ وهل قتل مباشرة أم أصيب في المعركة وبعد ذلك قتل ؟ هل تعرض لخيانة من حرسه أم أن هنالك مؤامرة خارجية ضده ؟

يوم الجمعة الماضي 16 إبريل شارك الراحل في تنصيب رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية دينيس ساسو إنغيسو، في حين كان هجوم جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد (FACT) قد بدأ يوم 11 إبريل، وهو الهجوم الذي لم يحقق اختراقا كبيرا في الداخل التشادي، فأصر الرئيس الراحل على المشاركة في التنصيب، وفي ذلك دليل على ثقته في قدرات الجيش التشادي، بمعنى أنه غادر الدولة ورجع في ظل أوضاع صعبة خلفها الهجوم.

لا شك أن الأيام الثلاثة التي أعقبت رجوع الرئيس الراحل من الكونغو الديمقراطية، كانت مليئة بالأخبار والمعلومات عن سحق الجيش التشادي للهجوم، فانتشرت أخبار مفادها تعرضه لإصابة من غير تأكيد هذا الأمر من مصادر رسمية.

بغض النظر عن كل هذه التفاصيل، أصبح الرئيس إدريس ديبي في ذمة التاريخ، وهو الرئيس الرابع لجمهورية تشاد، وهو صاحب أطول فترة حكم في تاريخ البلد، امتد حكمه لثلاثة عقود وعدة أشهر.

يوم 20 إبريل أطل مشهد جديد في تشاد، مجلس عسكري انتقالي مؤقت لحكم البلد، يتكون من أبرز قادة المؤسسة العسكرية التشادية، ومن مختلف التركيبات الإثنية، يترأسه الجنرال محمد إدريس ديبي، نجل الرئيس الراحل الذي يحظى بدعم قوي.

في الشكل كان مهما ظهور هؤلاء القادة العسكرين جنبًا إلى جنب، وهم يعلنون خبر الوفاة للأمة التشادية من قصر الرئيس نفسه، وفي نفس الوقت يعلنون تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، والخطوات الأولى التي اتخذوها من حل البرلمان والحكومة وإغلاق الحدود البرية والجوية والحفاظ على الأمن والاستقرار والالتزام بالمعاهدات الدولية، وتحديد فترة انتقالية مدتها عام ونصف لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، والدعوة إلى حوار وطني وتضامن الأمة التشادية أمام الأخطار الكبيرة.

كان كل شىء في انجامينا والمدن الكبرى يوحي بأن الأمور تحت سيطرة القيادة الجديدة، ولم يتأخر بيان الإليزيه ليكون هو الأول في التعبير عن الحزن لفقد صديق لفرنسا، وفي نفس الوقت يعطي الدعم للمجلس العسكري الانتقالي والإجراءات التي اتخذها، ويحرص بيان الإليزيه على تمسك فرنسا بوحدة وسلامة الأراضي التشادية.

في الداخل التزمت قوى كثيرة الصمت، إلا أن زعيم المعارضة صالح كبزابو ظهر في بث مباشر على صفحته على فيسبوك، وكان حزينا جدا على مقتل الرئيس إدريس ديبي بهذه الطريقة، وهذا الرحيل المفاجئ، ورغم خلافاتهما السياسية، إلا أن الرجل كان ذا بعد إنساني كبير، أكسبه احترام كثيرين، وأكد زعيم المعارضة المدنية في تشاد على دعم المجلس العسكري الانتقالي الجديد وعلى التضامن والوحدة الوطنية، وطالب الهيئات الدولية بدعم تشاد في هذه المرحلة الصعبة.

ظلت ردود الفعل على خطوة المجلس العسكري الانتقالي الجديد مبهمة، بعض البيانات الدولية أكدت أهمية الحوار وتضامنها مع دولة تشاد في هذا المصاب، وأشادت بالرئيس الراحل، ولكنها لم تعلن دعمها أو تحفظها لخطوة المجلس العسكري الانتقالي، وبعض البيانات الأخرى حرصت على تأكيد أهمية تحقيق انتقال سلمي للسلطة يحترم الدستور ويتمسك بالآليات التي أقرها الاتحاد الإفريقي في التغيير، وهذا يعني عمليا تطبيق المادة 81 من دستور تشاد، التي تنص على أنه في حالة شغور منصب الرئيس يتولى رئاسة الجمهورية رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) إلى أن تجرى انتخابات رئاسية.

لا شك أن هذه النقطة أثارت الجدل لدى بعض الأطراف، بمعنى كيف يمكن للمجلس العسكري الانتقالي الجديد استلام السلطة ورئيس الجمعية الوطنية موجود.

هناك بعض التفسيرات تقول إنه تنازل طواعية عن هذا الأمر بسبب ظروف صحية، بينما تذهب تفسيرات أخرى إلى القول إن وفاة الرئيس لم تكن طبيعية وإنما في معركة مع جماعات متمردة، وهو أمر يهدد الأمن والاستقرار، وبالتالي اتخذ الجيش التدابير اللازمة.

مما لا شك فيه أن أي أمر سوف يفسره كل طرف من وجهة نظره وحسب مصالحه.

وهناك ثلاثة عوامل رئيسية ستدفع بالمجلس العسكري الانتقالي الجديد إلى الأمام، أولها قدرته على ضبط الأمن والاستقرار، وتسيير الدولة عبر تشكيل حكومة جديدة، أو تسيير الأعمال من قبل الحكومة السابقة، وحصوله على تأييد أكبر عدد من القوى السياسية في تشاد، ثم المحافظة على تماسك المؤسسة العسكرية من أي انشقاقات كبيرة.

العامل الثاني هو قدرة المجلس العسكري على مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية، سواء الجماعات الإرهابية أو المجموعات المتمردة التي سترفض هذا التغيير وتستخدم السلاح لتغيير الواقع.

أما العامل الثالث فهو التأييد الخارجي الذي سيحصل عليه المجلس، وهو ما سيتضح أكثر خلال الأيام القليلة المقبلة.

كثير من الناس يجهلون أن هناك حياة سياسية نشطة في تشاد، وأن المعارضة والأحزاب وثقافة العمل السياسي موجودة بقوة، وعدد الأحزاب يقارب 200 حزب، بالإضافة إلى مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ومؤثرة، وقيادات قبلية نشطة، وتقاليد تمزج البعد العربي والإسلامي والثقافة الإفريقية.

لدولة تشاد خصوصية كبيرة من ناحية التنوع الثقافي والإثني، وحتى تنوع المناخ، فهي بلد كبير جدًا.

مرت تشاد في تاريخها السياسي بمحكات كثيرة مؤلمة، من اغتيالات سياسية وحروب وصراعات، تعددت أسبابها وانعكست بشكل كبير على أوضاع تشاد في مختلف المجالات.

لم يكن الرئيس الراحل إدريس ديبي شخصا عاديا، فقد شهدت تشاد طيلة ثلاثة عقود من حكمه تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، ومنذ حوالي عشر سنوات أصبحت تشاد دولة محورية في منطقة الساحل والصحراء، وخاصة في الملف الأمني، بعد الاضطرابات الكبيرة التي خلفتها الأزمة الليبية، وأيضا ما حصل في دولة مالي والصعود القوي لجماعة بوكو حرام.

لقد استطاع الراحل بناء جيش قوي وفعال، استطاع أن يثبت نفسه أمام التحديات الأمنية في المنطقة، وكانت أزمة مالي 2013 الظهور الأول القوي لهذا الجيش الذي أشادت به كثير من الجهات الفاعلة والمؤثرة، وكان لمساهمته الأثر الكبير في عودة الأمن والاستقرار لجمهورية مالي.

من المؤكد أن أسئلة كثيرة سوف تطرح حول قدرة المجلس العسكري الانتقالي الجديد على الالتزام بهذه الواجبات الأمنية الهامة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

تشهد إفريقيا عموما، وعلى وجه الخصوص منطقة الساحل وغرب ووسط القارة، تدافعًا دوليًا وإقليميًا غير مسبوق منذ سنوات، وبدأت القوى العظمى تواجه اتهامات عبر الإعلام بسرقة خيرات المنطقة وعدم الوفاء بالواجبات الأمنية وترك الإرهاب يتمدد.

وهناك أسئلة كثيرة تطرح بعد مقتل ديبي: من يخدمه غياب رئيس بحجم إدريس ديبي في هذا التوقيت ؟ كيف يمكن لمجموعات عسكرية غير منتظمة أن تقطع كل هذه المسافات لتصل إلى قلب تشاد ويحصل ما حصل ؟ هل هناك يد خارجية فعالة تمتلك قدرات استثنائية في المنطقة بدأت تبرز عن نفسها؟

يعتبر النشاط العسكري الفرنسي هو الأهم في المنطقة، وبعده النشاط الأمريكي، ولكن مؤخرًا بدأ نشاط عسكري روسي فعال في إفريقيا الوسطى وليبيا، وأصبح منذ فترة يكسب زخما متزايدا.

يوم 10 إبريل الماضي كتبت مقالا عن الراحل إدريس ديبي والولاية السادسة، وتوقعت فوزه بالانتخابات، وهذا ما حصل !

أعد نفسي من المهتمين بهذه المنطقة وتاريخها، وسبق أن زرت تشاد أكثر من مرة، وكانت هناك أسئلة كثيرة تطرح حول مستقبل الحكم في تشاد مع تقدم ديبي في السن، وتعرضه لوعكات صحية، وكان خيار التوريت على الطريقة الإفريقية مطروحا بقوة، وأيضا البحث داخل أبنائه وإخوته عن الشخص المؤهل للحكم، وكان في كل مرة يبرز اسم الجنرال محمد إدريس ديبي ليفرض نفسه على النقاش، سواء من ناحية تكوينه العسكري وانضباطه السلوكي، وما أثبتته السنوات من كفاءته في العمل العسكري خصوصا قيادته للعمليات العسكرية في مالي.

ومما لا شك فيه أن للبعد العرقي والقبلي أهميته الكبيرة في المجتمعات الإفريقية، وخصوصآ دولة تشاد، ويعتبر أخوال محمد إدريس ديبي من قبيلة القرعان، وهم أبرز قادة المعارضة، وأخوال أمه من قبيلة التبو، وهذه العلاقات الاجتماعية تلعب دورا كبيرا في بناء العلاقات والتحالفات في دولة مثل تشاد لها خصوصية في البعد القبلي والعرقي.

ولا خلاف على أن هنالك معارضة قوية لنظام الرئيس الراحل إدريس ديبي، ما بين معارضة مدنية سلمية ومعارضة عسكرية توجد في دول الجوار، خصوصا ليبيا والسودان، وتستطيع أي معارضة مسلحة أن تدعي تمثل الشعب التشادي، لكنها سوف تكون أمام اختبار حقيقي من ناحية قدرتها على القيام بعمل عسكري كبير لإسقاط النظام أو الدخول في حوار من أجل تحقيق مكاسب سياسية، وهذا جزء من الثقافة التشادية وهناك شواهد كثيرة عليه.

الأسابيع المقبلة ستكشف مؤشرات حقيقية حول توجه الأوضاع في تشاد، وهل يتجه البلد إلى امتصاص صدمة الغياب المفاجئ لرئيسه، وينجح المجلس العسكري الانتقالي الجديد في قيادة المرحلة بسلام.

أم أننا نتجه إلى حرب أهلية دموية تتداخل فيها قوى دولية وإقليمية، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار في إفريقيا، وتدفع الأزمة إلى موجات نزوح وتوترات عرقية وإثنية كبيرة، لتضاف هذه الأزمة إلى أزمات الإقليم الملتهبة مثل ليبيا ومالي وسد النهضة.

من المؤشرات الأولية والمعلومات المتوفرة أن هناك حرصا إقليميا ودوليا على المحافظة على تماسك الدولة التشادية، ودعمها حتى تتجاوز هذه الظروف الصعبة، وهذا الأمر سوف يتضح قريبا جدا.

نتمنى السلامة والأمن والاستقرار لأشقائنا في تشاد.

مقالات ذات صلة