ملفات

مركز أوروبي: صحوة ليبية لمحاسبة الغرب على جرائم الاستعمار والتدخلات

سلط المركز الأوروبي للدراسات السياسية، الضوء على التدخل الأجنبي في القارة الإفريقية، حيث رسمت القوى الغربية بمقاساتها مصير شعوب بأكملها، لم تكن هذه التدخلات مجرد فصول عابرة في التاريخ، بل كانت نظاماً متكاملاً من الهيمنة استمر بأشكال متجددة عبر القرون، تاركاً وراءه إرثاً ثقيلاً من الدمار والجراح التي لم تندمل.

ويقول المركز الأوروبي:” من نهب الثروات وتجارة البشر في الحقبة الاستعمارية المبكرة، إلى تقسيم الحدود بشكل اعتباطي مزق النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى سياسات الحرب الباردة التي غذّت الصراعات الإثنية، لكن أبشع صور هذا التدخل تجلت في العصر الحديث تحت مسميات “حماية المدنيين” أو “نشر الديمقراطية”، حيث تحولت السماء الإفريقية إلى ساحة لقصف طائرات التحالفات العسكرية، التي لم تكتف بإسقاط أنظمة حكم، بل أسقطت معها مقومات الدولة ذاتها، لتترك وراءها فراغا سياسيا وأمنيا تحول إلى مرتع للفوضى والنزاعات العابرة للحدود، وبيئة خصبة لتجذر التنظيمات الإرهابية”.

هذه التدخلات العسكرية الحديثة، بشعاراتها الإنسانية المعلنة وعواقبها الكارثية المخفية، لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السياسات الممنهجة التي هدفت إلى إضعاف القارة واستنزاف مقدراتها، فهي امتداد طبيعي للتدخلات الاقتصادية التي فرضت سياسات جعلت الديون أداةً للسيطرة، مكملة بذلك دائرة الهيمنة، وفقا المركز الأوروبي.

ليبيا.. نموذجاً للدمار الشامل

في السياق ذاته، تجسد الحالة الليبية النموذج الأكثر وضوحا للتدخل العسكري الحديث وآثاره الكارثية، فبعد تدخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” في عام 2011، تحولت ليبيا من دولة مستقرة إلى ساحة لنزاع داخلي طويل الأمد بين الفصائل المسلحة، تدعمها أجندات إقليمية ودولية متضاربة، لم يقتصر الدمار على البنية التحتية التي دمرتها الغارات الجوية فحسب، بل امتد ليشمل النسيج الاجتماعي نفسه، حيث انتشرت الفوضى الأمنية وتدهور الوضع الإنساني بشكل حاد، على حد تعبير المركز الأوروبي.

ولم يكن التدخل مجرد عملية عسكرية عابرة، بل تحول إلى مشروع تفكيك شامل، تحطمت البنى التحتية الحيوية من مدارس ومستشفيات ومرافق الطاقة والمياه تحت القصف المكثف، بينما تم إغراق البلاد بفيض من الأسلحة المتطورة التي انتشرت بين أيدي الميليشيات المتصارعة، والأكثر خطورة كان التفكيك المتعمد لأجهزة الدولة السيادية، مما خلق فراغا سلطويا أصبحت فيه الميليشيات هي القانون الوحيد.

في مواجهة هذا الدمار، تشهد الساحة الليبية صحوة حقوقية وسياسية جادة للمطالبة بالمساءلة والتعويض، فقد تزايدت الأصوات الليبية المنظمة، عبر أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني فاعلة على رأسها حزب “صوت الشعب الليبي” وحراك “صوت العدالة الليبي”، للمطالبة بحقوق الشعب الليبي المشروعة، تبلورت هذه المطالب في مسارات واضحة ترفض الإفلات من العقاب، حيث تطالب بالاعتراف الرسمي بمسؤولية الحلف، واعتذار علني عن الانتهاكات الجسيمة، وتقديم تعويضات عادلة تشمل إعادة إعمار ما دمرته الغارات الجوية، وتعويض الضحايا وعائلاتهم.

المطالب الدولية

وفي ظل هذا السياق التاريخي والسياسي، لم تعد المطالبات بالتعويضات مجرد صرخات فردية، بل تحولت إلى حركة أفريقية شاملة تتبناها دول ومؤسسات رسمية، تسعى ليس فقط لتعويض الأضرار المادية بل أيضا لتحقيق الاعتراف التاريخي والعدالة المصادق عليها دوليا، فإلى جانب الحالة الليبية، تبرز دول أفريقية عديدة في مقدمة هذا المسار المطالِب بالحقوق.

ففي الجزائر، يعمل البرلمان على صياغة مشروع قانون يهدف إلى ترسيخ الاعتراف بجرائم فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية التي استمرت 130 عاما، تمهيدا للمطالبة الرسمية بالاعتذار والتعويضات عن جرائم الإبادة الجماعية والنهب المنهج، وتأتي هذه الخطوة في إطار إجماع سياسي جزائري على أن مساءلة المستعمر السابق هي قضية مبدئية لا تقبل المساومة.

وعلى المنبر الدولي، تتصدر دول مثل غانا الصفوف في الدفع بهذه القضية إلى الواجهة العالمية، حيث أكد الرئيس الغاني، في خطابه أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن تجارة الرقيق (وهو هي نظام استغلالي منظم كانت تقوم به القوى الأوروبية) تمثل “أعظم جريمة ضد الإنسانية”، معلنا أن غانا، بوصفها “بطلة أفريقيا في قضية التعويضات”، ستقدم طلبا رسمياً إلى الهيئة الأممية للمطالبة بتعويضات عن استعباد الشعوب الأفريقية واستعمار أراضيها، وما صاحب ذلك من سرقة للثروات الطبيعية ونهب للتراث الثقافي.

كما تجد هذه المطالعات صدى قويا على مستوى القيادات السياسية، حيث دعا رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، من على منصة الأمم المتحدة أيضا إلى “تعويض المظالم التي سببت لإفريقيا”، مطالبا بمقعدين دائمين للقارة في مجلس الأمن، وإنشاء صندوق عالمي لمنع النزاعات تموله القوى العظمى كشكل من أشكال المسؤولية التاريخية.

وأكد المركز الأوروبي، أن هذه الحركة المتصاعدة تعكس تحولا جوهريا في الوعي الجمعي الأفريقي، الذي لم يعد يقبل بمنطق الإفلات من العقاب، حيث تحولت قضية التعويضات من مجرد استرداد لأموال منهوبة أو إعادة إعمار لبنى تحتية مدمرة، إلى معركة وجودية تهدف إلى إصلاح الظلم التاريخي، واستعادة الكرامة، وكتابة فصل جديد في العلاقات الدولية يقوم على المساواة والعدالة والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى