ليبيا

الزبير: وجود الميليشيات في طرابلس وغرب ليبيا يعكس غياب الدولة

أكد المحلل السياسي عصام الزبير أن إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة وذات صبغة مهنية في ليبيا تمثل ضرورة عاجلة في المرحلة الحالية، ليس فقط لحماية السيادة الوطنية، وإنما أيضًا لصون الدستور وإنفاذ القانون.

لكنه أشار إلى أن الحدود الليبية “منتهكة” والدستور “غائب أو مغيّب”، ما يعكس غياب الدور الفعلي للمؤسسة العسكرية في أداء مهامها السيادية الأساسية.

وأوضح الزبير، في حديث لقناة “سلام”، رصدته “الساعة 24” أن المؤسسة العسكرية لا يمكن تقييمها اليوم ككيان مهني قائم على أسس واضحة، إذ أنها لا تزال مجموعة من كتائب وقوات غير منظمة ترتبط بولاءات شخصية ومناطقية، ما يفضح غياب الهيكلية العسكرية الحقيقية.

وبين أن هذه التشكيلات، رغم مساهمتها في حماية بعض مؤسسات الدولة والدفاع عن التراب الليبي، ارتكبت أخطاء نتيجة ضعف التأهيل وغياب المعايير المؤسسية.

ولفت إلى أن المجلس الرئاسي يفتقر إلى “القدرة الفعلية والقوة السياسية” لفرض رؤية واضحة على الأرض، مشيرًا إلى أن الحديث عن توحيد الجيش بقيادته لا يتجاوز كونه خطابًا سياسيًا بلا ترجمة فعلية، وأن الاشتباكات في طرابلس تمر دون تدخل حقيقي.

وأضاف الزبير أن المؤسسة العسكرية، بمفهومها المهني، يجب أن تخضع للقانون وتحترم إرادة الشعب، لا أن تتحول إلى أداة لفرض السيطرة أو مصادرة مقدرات الليبيين.

وأوضح أن “العسكرة” في بعض المناطق تعكس تجاذبات داخلية وتدخلات خارجية تؤثر على القرار الوطني، مستدركًا: “كيف يمكن أن نتحدث عن مؤسسة موحدة والمجلس الرئاسي نفسه منقسم ولا يجتمع أعضاؤه الثلاثة؟”، مضيفًا أن وزارة الدفاع باتت أقوى من المجلس نفسه، بينما يفتقر الأخير إلى قوات تنفيذية فعالة سوى الحرس الرئاسي.

وأشار إلى أن المشهد العسكري يعاني من “فوضى مؤسساتية”، مؤكدًا أن حل الأزمة يتطلب إرادة سياسية حقيقية بعيدًا عن الخطابات الشكلية والتجاذبات الإقليمية والدولية، مشددًا على أن وجود الميليشيات في طرابلس وغرب ليبيا يعكس غياب الدولة والمؤسسات، لافتًا إلى أن بعض هذه التشكيلات تعمل تحت شرعية وزارتي الداخلية والدفاع، بينما تعمل أخرى بشكل مستقل دون الرجوع لأي سلطة مركزية.

ووصف الزبير وجود التشكيلات المسلحة بـ “أكبر العوائق أمام بناء جيش وطني موحّد”، مشددًا على أن الحل لا يمر عبر وصم مناطق أو أشخاص، بل يتطلب إجراءات تنفيذية ومحاسبة فعلية. وأوضح أن الاقتراح بتحويل الكتائب إلى “قوة احتياط عامة” قد يكون حلاً مؤقتًا، لكنه لا يغني عن بناء مؤسسة عسكرية مهنية فعلية.

وتساءل الزبير عن غياب المساءلة القانونية تجاه تجاوزات بعض الكتائب، مطالبًا بتفعيل دور الادعاء العام العسكري للحد من الانتهاكات، مؤكدًا أن انتشار السلاح وارتباطه بظواهر إجرامية يزيد الحاجة إلى سياسات حازمة للحد من المخاطر الأمنية والاجتماعية.

انتقد “التشظي الدولي” في التعامل مع ملف الجيش الليبي، مشيرًا إلى أن الدول الفاعلة في الملف الليبي ليست على قلب رجل واحد، وأن كل طرف يسعى لفرض أجندته الخاصة على حليفه المحلي، وهو ما يعرقل بناء مؤسسة عسكرية موحدة.

وأكد الزبير أن اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” ظل دورها إعلاميًا وبعيدًا عن الواقع التنفيذي، حيث لم تحقق أي تقدم ملموس في توحيد الجيش أو دمج التشكيلات المسلحة، وفشلت في أولوياتها الأساسية، بما في ذلك إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، مضيفًا: “ما تحقق حتى الآن لا يتعدى “الدعاية الإعلامية”.

وانتقد الزبير أيضًا دور بعثة الأمم المتحدة، معتبرًا أن إعلانها عن “خطوات إيجابية” لا ينعكس على الأرض، في وقت تبقى فيه الحدود الليبية مفتوحة أمام المهاجرين، وتتحول البلاد إلى “شرطي أوروبا” دون مقابل ملموس في الأمن أو إعادة بناء الجيش.

وبالنسبة للتحديات السياسية، شدد الزبير على أن الأزمة تكمن في الصراعات الداخلية بين الحكومة والمجلس الرئاسي والتشكيلات المسلحة، مشيرًا إلى أن بناء جيش موحد لا يحتاج لتدخل خارجي، مستشهدًا بتجربة الملك إدريس السنوسي الذي أسس الجيش الليبي في مصر من عناصر ليبية بالكامل ضمن معايير وطنية وعسكرية صارمة.

ورأى أن الحكومة الحالية في طرابلس، مطالبة بالابتعاد عن سياسة المواجهة واتباع نهج الاحتواء والحوار مع جميع الأطراف، مؤكدًا: “الحكومة لا يجب أن تتحول إلى كتيبة، بل عليها أن تكون مرجعية سياسية جامعة، تُحسن التصرف وتُظهر الحكمة”.

وأضاف أن الشعب سيكون الداعم الأكبر لأي حكومة تسلك طريق العدالة دون انحياز جهوي أو مناطقي، معتبرًا أن البدء في بناء الدولة يبدأ بالتلاحم الوطني والسياسات الحكيمة التي لا تستثني أحدًا.

وختم بالقول إن المسارات السياسية والعسكرية لا تزال مرتهنة للفوضى والتدخلات، داعيًا إلى استعادة القرار السيادي عبر بناء مؤسسة عسكرية موحدة ومستقلة عن الحسابات الدولية أو المصالح الفئوية.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى