ليبيا

الوحش: ترشيد الإنفاق الحكومي هو المفتاح لمعالجة أزمة الدولار

أكد صابر الوحش أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية، أن البلاد تمر حاليًا بمرحلة اقتصادية حاسمة، تتجسد في الانتقال من فوضى نقدية عانت منها البلاد لسنوات، إلى مرحلة جديدة يسودها الانضباط المالي والسيطرة على السيولة والسوق النقدية.

وأوضح أن هذه المرحلة تأتي بعد فترة من التداول النقدي غير المنضبط، إذ تم تداول عملات لم تصدر عن إدارة الإصدار بمصرف ليبيا المركزي، مما جعل جزءًا كبيرًا من المعروض النقدي خارج السيطرة الرسمية وأسهم في تعقيد المشهد الاقتصادي.

وأشار الوحش في حديث لتلفزيون “المسار” رصدته “الساعة 24” إلى أن مصرف ليبيا المركزي، باعتباره من أهم مؤسسات الدولة، شرع في اتخاذ خطوات جادة لكبح جماح التضخم والسيطرة على سعر الصرف في السوق الموازية.

وأشار إلى أن أبرز هذه الخطوات رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي، مما أسهم في امتصاص نحو 16 مليار دينار من السيولة، بالإضافة إلى إطلاق شهادات إيداع المضاربة، والتي يُتوقع أن تسحب ما بين 15 إلى 16 مليار دينار أخرى، وإدخال منظومة التسويات اللحظية، التي تهدف إلى الحد من الفساد وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، رغم أنها لم تكتمل بعد.

وبينّ أستاذ الاقتصاد، أن هذه الإجراءات أسفرت عن تحييد ما يقرب من (30) مليار دينار ليبي من السوق، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليل الضغط على السوق الموازية، وتحقيق نوع من الاستقرار في سعر الصرف.

وأشار إلى أن المصرف المركزي أعلن نيته اتخاذ إجراءات “قوية وجوهرية” خلال أكتوبر الحالي، مؤكدًا أن مثل هذه التصريحات لا يمكن إطلاقها دون وجود ضمانات تنفيذ حقيقية.

غير أن الوحش عاد ليؤكد أن حالة الاضطراب الأخيرة في أسعار الصرف تعود بالأساس إلى حالة ترقب تسيطر على المتعاملين والمضاربين في السوق، لا سيما في ظل الوعود التي أطلقها المصرف بشأن خفض الضرائب المفروضة على بيع العملة مع مطلع الشهر الجاري. لافتاً إلى أن نجاح تلك الإجراءات سيكون مرهونًا بمدى تنفيذها على الأرض.

وفي ذات الإطار، اعتبر الوحش أن التغيرات في سعر الصرف بالسوق الموازية تُعد مؤشراً يعكس واقع السوق الليبية، موضحًا أن المصرف المركزي يتابع هذه التغيرات عن كثب ويحاول الحد من تداعياتها على الاقتصاد.

وأضاف أن السوق الموازية فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة، رغم أن السعر الرسمي هو المرجع المفترض في تقييم الأداء الاقتصادي، إلا أن “الموازي” هيمن فعليًا على المشهد، ما شكّل ضغطًا متواصلًا على المصرف المركزي.

واعتبر الوحش أن أحد الأسباب الجوهرية لتغذية السوق الموازية يتمثل في اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي (اقتصاد الظل)، والذي يُقدَّر بأكثر من 50% من حجم الاقتصاد الليبي، وفق تقديرات متعددة.

إلى ذلك، نبه الوحش إلى أن الإنفاق العام يُعد العامل الحاسم في تحديد قيمة الدينار الليبي، موضحًا أن ارتفاع الإنفاق يؤدي إلى ضعف العملة، بينما ترشيده يُسهم في الحفاظ على قيمتها.

وتابع قائلاً: “رغم أن القوانين تمنح المصرف المركزي صلاحية تعديل سعر الصرف، إلا أن القرار في الواقع يخضع للسياسات المالية التي تتخذها الحكومات”.

وأضاف أن توحيد إدارة المصرف وسحب بعض الفئات النقدية، مثل فئتي العشرين والخمسين دينارًا، مكّنه من ضبط جانب من الإنفاق، غير أنه تساءل عن غياب البيانات الرسمية الدقيقة حول حجم الإنفاق العام، مشددًا على أن الشفافية في هذا الجانب ضرورية لتقييم الواقع الاقتصادي.

واعتبر الوحش أن ضخ 500 مليون دولار في السوق، لا يمثل حلًا جذريًا، إلا أنه أداة فعالة لتخفيف الضغط على السوق الموازية، وزيادة المعروض من العملة الصعبة.

وأشار إلى أن هذا القرار رافقته تعليمات للجمارك بعدم السماح للمسافرين باصطحاب أكثر من 10 ألف دولار نقدًا، وذلك للحد من تهريب العملة الصعبة إلى الخارج.

وأوضح أن شركات الصرافة تمثل إحدى الأدوات التي لجأ إليها المصرف المركزي لمحاصرة تجار السوق الموازية، من خلال السماح للمواطنين بالحصول على العملة الصعبة بأسعار رسمية وهوامش ربح محددة، مما يسهل مراقبة حركة الأموال ويقلّص من التعاملات خارج الأطر النظامية.

لكنه شدد على أن هذه الأداة، رغم فعاليتها، لا تكفي وحدها، بل يجب أن تكون جزءًا من حزمة متكاملة من الإجراءات.

ونبه إلى أن واحدة من الأدوات المغيّبة هي شركات الإيجار التمويلي، والتي يمكن، إذا فُعلت بشكل مناسب، أن تستقطب رؤوس الأموال العاملة في السوق الموازي وتوفر بدائل استثمارية آمنة ومربحة، تُسهم في بناء أصول حقيقية داخل الاقتصاد وتقلل من الاعتماد على النقد الأجنبي المستورد.

غير أن الوحش حذر من أن كل هذه الجهود تظل هشّة دون إصلاح جذري للسياسات المالية العامة، مؤكدًا أن ترشيد الإنفاق الحكومي هو المفتاح الحقيقي لمعالجة أزمة النقد الأجنبي، فالمصرف المركزي، بحسب تعبيره، ليس سوى جزء من منظومة أكبر تشمل الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط، ويجب أن تعمل جميعها بتناغم لزيادة الإيرادات وخفض النفقات.

وحول الضريبة المفروضة على بيع النقد الأجنبي، قال الوحش إن إلغاءها غير ممكن حاليًا دون التنازل عن جزء من الاحتياطات النقدية، وهو أمر محفوف بالمخاطر، مبرراً ذلك بأن معدل دوران النقود مرتفع بسبب التهريب المكثف للسلع، ما يؤدي إلى ضغط متزايد على الدولار.

وأوضح أن كل دينار يُضخ في السوق يعود بسرعة للمطالبة بالعملة الصعبة، وهو ما يصعب مجاراته في ظل ضعف التغطية بالنقد الأجنبي. مشيراً إلى أن شهر يناير وحده شهد فتح أكثر من 6100 اعتماد مستندي، متسائلًا عن مدى ضرورتها، خاصة مع وجود واردات استهلاكية وترفيهية لا تمثل أولوية اقتصادية.

وانتقد الوحش غياب الدولة الموحدة، مؤكدًا أن استمرار الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، في ظل تهريب جزء كبير من السلع المستوردة، يعمّق الأزمة ولا يبني اقتصادًا إنتاجيًا مستدامًا.

وأضاف أن المصرف المركزي، رغم محاولاته تهدئة الأوضاع، لا يمكنه بمفرده السيطرة على المشهد، داعيًا إلى ضرورة توحيد الدولة والحكومة، ووضع ميزانية تقشفية تراعي العدالة الاجتماعية دون المساس بمعيشة المواطن.

واختتم الوحش حديثه مؤكدًا أن ما تحقق حتى الآن يُعد إنجازًا مقبولًا بالنظر إلى الظروف القائمة، غير أن تحقيق الاستقرار الحقيقي يظل رهينًا برؤية اقتصادية موحدة وشاملة، تعتمد على إصلاح السياسات المالية، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتفعيل أدوات الرقابة، بما يُنهي النزيف الاقتصادي ويُعيد الثقة للسوق الليبي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى