الحاجي: “الحوار المهيكل” للبعثة الأممية غير ملزم ولا يهدف لإنتاج حكومة موحدة

قال الباحث السياسي، إسلام الحاجي، إن الإحاطة الأممية الأخيرة التي تضمنت طرح خارطة الطريق بشأن الوضع السياسي في ليبيا جاءت “مفخخة”، حيث احتوت على إطار زمني عام دون تحديد تواريخ دقيقة، وهو ما اعتبره غيابًا للوضوح والاستراتيجية الفعلية.
وأوضح في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، أن الإحاطة تحدثت عن فترة تمتد بين 12 إلى 18 شهرًا، وهو وعاء زمني كبير يسمح بتأجيل التنفيذ، مشيرًا إلى أن الترتيبات يمكن أن تتم في أقل من هذا الوقت إذا توفرت الإرادة السياسية.
ووفقا للحاجي فإن الانتخابات قد تُجرى خلال هذه الفترة، إلا أن التحركات الحالية في الساحة السياسية لا توحي بوجود تقدم حقيقي، على الرغم من محاولة البعثة الأممية دفع الأمور بسرعة، من خلال عقد لقاءات مع مختلف الأطراف، مثل مجلسي النواب، والأعلى للدولة، وبعض الأطراف النافذة في الدولة، وكذلك القيادات العسكرية في الشرق والغرب.
وأشار إلى أن البعثة الأممية حاولت خلق تقدم ملموس من خلال عرض بعض المقترحات مثل تغيير مجلس إدارة المفوضية، وملء الشواغر فيه، إلا أن بعض أعضاء اللجنة المشتركة قالوا إنهم لم يتفقوا على تغيير المجلس بالكامل، بل على ملء الشواغر فقط، معتبرين أن ما قدمته البعثة كان مجرد “مقترح”، لكنه قُدّم بلهجة توحي بأنه إلزامي، وهو ما أثار الريبة لدى بعض الأطراف.
وأضاف الحاجي أن هناك تساؤلات مشروعة حول كيفية التوافق على قوانين انتخابية وقاعدة دستورية، متسائلًا: “بأي آلية؟ ومن يشرف على العملية؟”. كما شدد على أن أي مقترح، سواء جاء من البعثة أو من عواصم دول كبرى مثل واشنطن، يجب أن يُنظر إليه بموضوعية، بعيدًا عن فرض الإرادة الخارجية.
وفيما يتعلق بتوحيد المؤسسات السيادية، أكد الحاجي أنه تم بالفعل توحيد بعض المؤسسات مثل ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة، لكنه أشار إلى أن هذه المؤسسات لا تملك صلاحيات تنفيذية حقيقية، ولا تصدر عنها قرارات نافذة، لأن توحيدها تم خارج إطار الحكومة الموحدة، التي لا تزال غائبة.
وتابع موضحًا أن توحيد المؤسسات السيادية يتطلب حكومة موحدة فعلية، وتساءل: كيف يمكن تشكيل هذه الحكومة؟ هل عبر حوار مشابه لحوار الصخيرات، أم عبر لجنة جديدة؟، مؤكدًا أن هذا الأمر لا يزال غير واضح.
وحول مقترح “الحوار المهيكل” في خطة البعثة الأممية، أوضح الحاجي أنه ليس حوارًا مُلزِمًا، ولا يهدف إلى إنتاج حكومة موحدة، بل يعمل من خلال لجان تتناول ملفات محددة مثل الاقتصاد، الأمن، الحكم الرشيد، والعلاقات المؤسسية، وتقدم توصيات غير ملزمة في نهاية المطاف.
وبينّ الحاجي أن المعضلة الكبرى تكمن في غياب الرؤية الموحدة، والتحركات الحالية، سواء من مجلس الدولة أو غيره من المؤسسات، لكونها لا تعكس أي اختراق حقيقي في مسار الحل السياسي، بل تعزز حالة الجمود.
وفي سياق حديثه اتهم الحاجي البعثة الأممية بالمماطلة في تنفيذ مهامها في إشارة إلى أن البعثة لا تستفيد من إضاعة الوقت إلا لتحقيق مكاسب خاصة، أبرزها الوصول إلى جلسة مجلس الأمن القادمة، ومعها أوراق تفاهم جزئية يمكن الترويج لها كنجاحات.
ورأى الحاجي أن موضوع تغيير مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والذي يُفترض أنه من الملفات الفنية السهلة، شهد تبايناً غير مبرر بين البرلمان ومجلس الدولة، لافتا إلى أنه خلال المدة المحددة بـ 110 أيام، لم يتم التوصل إلى نتائج واضحة، رغم أن التفاهم على هذا الملف كان ممكناً منذ البداية.
وأوضح الحاجي أن الهدف من هذا التأخير هو تمكين البعثة من التوجه إلى مجلس الأمن بتقارير تفيد بوجود تقدم نسبي، مثل التوافق على تغيير المفوضية، أو اختيار شخصية توافقية لرئاستها، دون الخوض في آلية التعيين الفعلية أو الضمانات القانونية لذلك.
واعتبر أن البعثة الأممية، بخلاف دورها المفترض كوسيط محايد، أصبحت أداة لتنفيذ إرادة بعض أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أنه لا توجد بعثة أممية في دولة تشهد صراعاً إلا وتدخلت وفق أجندات قوى كبرى، لافتاً إلى أن المشهد الليبي ليس استثناءً، حيث يمتلك كل طرف داعمين خارجيين يمدّونه بالدعم السياسي والمادي، ما يُعقّد فرص الوصول إلى حلول داخلية نابعة من الإرادة الوطنية.
وتابع قائلاً: إن تجارب الاتفاقات السابقة، كاتفاق الصخيرات، ورغم توقيعه في ظل انقسام حاد، تُظهر أن التوافق ممكن إذا توفرت الإرادة الدولية الداعمة. لكن الحاجي تساءل عن جدوى استمرار الحوار في ظل غياب ضمانات حقيقية لتنفيذ ما يُتفق عليه، مستشهداً بتجربة حكومة الوفاق التي لم تُمنح أدوات السلطة الحقيقية، وكانت تُدار من الخارج دون تمكين فعلي من الداخل.
وفي حديثه عن الدور الدولي، أكد الحاجي أن الولايات المتحدة والدول الكبرى باتت تربط دعمها السياسي والاقتصادي بما يتحقق من تقدم سياسي وأمني في ليبيا، مبيناً أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أمريكيين، وكذلك عن المبعوث الأممية هانا تيتيه، ركزت على ضرورة مكافحة الإرهاب، وتوحيد المؤسسات، والتحرك نحو التنفيذ بدلاً من البيانات السياسية.
وذكر الحاجي أن المستثمرين الإقليميين والدوليين يبحثون عن ضامن سياسي وأمني قبل الدخول في أي مشاريع، مشيراً إلى أن “غياب حكومة موحدة وقادرة على ضمان التزاماتها تجاه الاستثمارات، يعرقل أي نهضة اقتصادية محتملة.
وأشار إلى أن المطلوب حالياً هو تكامل الجهود بين الشرق والغرب الليبي، لا سيما في الجوانب العسكرية والأمنية المتمثلة في حماية الحدود وتبادل المعلومات لمكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات، مشدداً على أن النجاح في هذا المسار قد يُمهّد لتوحيد باقي مؤسسات الدولة، إذا ما توافرت الإرادة الداخلية والدعم الدولي الجاد.
وتطرق الحاجي إلى أن السيناريو الأقرب للواقع، وهو الخطة الأمريكية، مؤكداً أن واشنطن تهيمن بشكل مباشر على سلطة القرار في العاصمة طرابلس، وهو ما يعني من وجهة نظره أنها المسيطر الفعلي على الدولة.
وأضاف الحاجي أن من يسيطر على العاصمة، يسيطر على مفاصل الدولة كافة، موضحاً أن الولايات المتحدة أو من ينوب عنها مثل تركيا في الغرب والتي تملك تأثيراً فعلياً من خلال قوات عسكرية وأجهزة استخباراتية منتشرة في مواقع مختلفة من البلاد.
وحسب الحاجي لا توجد قوة يُحسب لها حساب حقيقي اليوم. فهناك مجموعات متفرقة هنا وهناك، وقد تنخرط في نزاعات محدودة، لكن لا وجود لقوة منظمة تُحدث فرقاً في موازين القوى.
وشدّد على أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم دون وجود جيش وطني، موضحاً أن غياب المؤسسة العسكرية يحول دون تنظيم انتخابات نزيهة، أو تشكيل حكومة ذات قرارات سيادية، أو حتى صياغة وتنفيذ دستور حقيقي، مؤكداً على أنه لا دولة بلا جيش، ولا شرعية لأي سلطة ما لم تكن مدعومة بقوة عسكرية تؤمّن سيادتها وتنفيذ قراراتها.









