الشريف: إغلاق سوق المشير خطوة ارتجالية ستعزز بيع الدولار في الخفاء

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن مصرف ليبيا المركزي يتحرك منفرداً في مواجهة أزمات السوق، وسط غياب التنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة الأخرى، خصوصاً في ملف الإنفاق العام، موضحاً أن هناك حرباً داخلية بالمؤسسة المصرفية نفسها، يقودها من وصفه بـ “مؤسس المصرف”، ما يعكس حجم التعقيدات التي تواجه العمل المؤسسي في البلاد.
وأوضح الشريف في مداخلة على قناة “المسار” أن المركزي شرع مؤخراً في تنفيذ عدد من الإجراءات التصحيحية المهمة، في محاولة للسيطرة على السوق الموازي، من بينها تنظيم شركات الصرافة، إلا أن تأثير هذه الشركات لا يزال محدوداً مقارنة بحجم السوق الموازي.
وفي رده على سؤال حول مدى التزام محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بوعوده المتعلقة بثبات سعر صرف الدينار ومحاربة المضاربين، قال الشريف: إن المحافظ يملك أدوات تنفيذ هذا الوعد، ولكن في المدى القصير فقط”، مشيراً إلى أنه يتحرك وفق استراتيجية قصيرة المدى تعتمد على بعض أوراق القوة، مثل فتح المجال أمام مئات شركات الصرافة، وتنظيم عملية توزيع السيولة، ما قد يساهم في تقليص الفجوة بين سعر السوق النقدي وسعر الصكوك والتحويلات البنكية.
ورأى الشريف أن الإجراءات الحالية، رغم أنها تتحرك في الاتجاه الصحيح، إلا أنها لن تؤدي إلى نتائج فورية، نظراً لعمق الأزمة الاقتصادية التي تراكمت على مدى أكثر من 12 عاماً نتيجة السياسات الخاطئة، وتفاقم الموازنة العامة، والإنفاق العشوائي غير المستدام.
وفيما يتعلق بالتطورات الأخيرة، أوضح أن سعر الدولار في السوق الموازي انخفض مؤقتاً إلى حدود (6.85) دينار ليبي، إلا أن هذا الانخفاض قد لا يكون مستداماً، نظراً إلى نشاط المضاربين الذين يمتلكون خبرة كبيرة وقدرة على التحكم في اتجاهات السوق.
وأشار إلى أن السوق الليبي يعيش حالياً مرحلة اضطراب حادة، حيث لم يعد التجار والمستهلكون قادرين على اتخاذ قرارات واضحة، في ظل تقلبات مستمرة في الأسعار، وتدفق السيولة من المصارف إلى السوق بشكل غير منتظم. وقال: “نحن الآن نعيش وكأننا في غرفة عمليات، والمؤشرات كلها تحت المراقبة الدقيقة، من حركة السيولة إلى تقلبات سعر الصرف”.
وأكد الشريف أن الأزمة في سوق الصرف الليبي لا يمكن معالجتها بسهولة، مشيرًا إلى أن جذورها تعود إلى أكثر من عشر سنوات، بينما يحاول مصرف ليبيا المركزي حلّها خلال فترة قصيرة. مبيناً أن فكرة إنشاء شركات الصرافة جاءت كخيار ضمن إصلاحات المركزي، إلا أن التزام هذه الشركات بالضوابط التي حددها المصرف، ومنها تحديد سقف الربح بنسبة 7%، لا يزال ضعيفًا.
واعتبر أستاذ الاقتصاد، أن تحقيق ربح أكبر والالتفاف على قرارات المركزي يمثلان دافعًا قويًا لهذه الشركات للتلاعب بالسوق، سواء من خلال أسعار غير رسمية أو تجاوزات في حجم التحويلات.
وفي السياق ذاته، شدد الشريف على ضرورة تفعيل منظومات رقابية صارمة داخل شركات الصرافة، بالإضافة إلى تجهيز مفتشين متخصصين على مستوى عالٍ من الكفاءة والنزاهة. كما دعا إلى إنشاء إدارة مركزية كبرى داخل المصرف تتولى الإشراف الكامل على النقد والمصارف، مشيرًا إلى أن المسألة لم تعد تقنية فقط، بل تتعلق بمدى قدرة هذه الإدارة على كبح جماح المضاربة والسعي وراء الربح السريع.
وفيما يخص ضخ العملة الأجنبية، أوضح الشريف أن المصرف المركزي قام مؤخراً بضخ حوالي 1.7 مليار دولار للأغراض الشخصية، و2 مليار دولار للاعتمادات المستندية، إلى جانب إرسال شحنات سيولة بقيمة 3 مليارات دينار إلى المصارف التجارية، مع تقارير أفادت بوصول 300 مليون دينار من العملة الجديدة إلى بنغازي.
وعند سؤاله عمّا إذا كان المصرف المركزي قد دخل بقوة إلى السوق من خلال هذه الأرقام، أكد الشريف أن المركزي يبذل ما في وسعه، لكنه المشكلة تتجاوز صلاحياته، نظرًا لتعدد الأطراف المتحكمة في السوق، ومنها المضاربون وأجهزة أخرى في الدولة.
ورأى أن ما يساعد حاليًا في الحفاظ على استقرار السوق هو هدنة غير معلنة نتيجة تجميد الإنفاق الحكومي، محذرًا من أن أي استئناف لهذا الإنفاق سيعيد الضغط على سعر الصرف، وقد يؤدي إلى ارتفاعه مجددًا إلى تسعة أو عشرة دنانير للدولار الواحد.
ولفت الشريف إلى أهمية التنسيق الكامل بين مصرف ليبيا المركزي والحكومات المتعددة لضمان استقرار سعر الصرف، مشيرًا إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع المضاربين، بل مع الطلب الحكومي الكبير وتعدد قنوات الإنفاق، وهي الأسباب الجذرية للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
وفي سياق حديثه انتقد أستاذ الاقتصاد قرار السلطات بإغلاق سوق العملة الموازي المعروف بسوق “المشير” في طرابلس دون توفير بدائل حقيقية، معتبرًا أن الخطوة ارتجالية وقد تؤدي إلى نتائج عكسية، منها تعزيز نشاط السوق في الخفاء، ما يزيد من تفاقم الأزمة بدلًا من حلها.
وقال إن الإغلاق القسري لسوق الصرف دون إطلاق مكاتب صرافة مرخصة أو توفير آليات شفافة لبيع الدولار، يحرم المواطنين من فرص الحصول السريع على العملة الصعبة، خاصة للحالات الضرورية مثل العلاج أو السفر أو الدراسة.
وذكر الشريف أن سوق الصرف لم يعد ماديًا فقط، بل أصبح يعتمد على وسائل الاتصال الحديثة مثل مجموعات الواتساب والتواصل غير المباشر، ما يعني أن إغلاق المحال لن يمنع التداول، بل سيدفعه إلى أماكن مغلقة يصعب مراقبتها.
ودعا الشريف إلى تأجيل قرار الإغلاق إلى حين تفعيل شركات الصرافة وتزويدها بالعملة الأجنبية بشكل منظم، مؤكدًا أن هذه الخطوة كفيلة بتقليص حجم السوق الموازي بشكل تلقائي دون الحاجة للتدخلات الأمنية.
وفي سياق متصل، انتقد الشريف تخصيص المصرف المركزي 300 مليون دينار فقط لمنطقة برقة، بما في ذلك مدينة بنغازي، معتبرًا أن المبلغ شحيح جدًا ولا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان، حيث حصة الأسرة الواحدة لا تتجاوز 1500 دينار، في وقت تعاني فيه المنطقة من أزمة سيولة خانقة.
وأوضح أن المصرف المركزي يحاول التوجه نحو تعزيز الشمول المالي والتقليل من تداول السيولة النقدية خارج النظام المصرفي، لكنه يرى أن هذا الانتقال يجب أن يتم تدريجيًا ووفق خطة مدروسة، وليس عبر ضخ أموال محدودة تُستنزف سريعًا.
وبيّن أن نحو 55 مليار دينار لا تزال خارج القطاع المصرفي، بسبب غياب الثقة في البنوك وضعف الخدمات الإلكترونية، ما يجعل المواطنين يفضلون الاحتفاظ بأموالهم نقدًا. وأكد على ضرورة إعادة بناء الثقة بين المواطن والجهاز المصرفي، وتوفير السيولة الكافية لتغطية الاحتياجات الأساسية للغالبية البسيطة من الشعب.
وبخصوص الواردات والبضائع، بين الشريف حجم الفارق الكبير بين واردات ليبيا المسجلة رسميًا والواردات المسجلة من قبل الدول المصدرة، فيما يُعرف بـ”نظام المرآة”، مما يدل على استيراد جزء من السلع عبر السوق الموازي، حيث تتم المعاملات بالدولار بعيدًا عن المصرف المركزي.
وفيما يتعلق باستنزاف النقد الأجنبي، قال الشريف إن استنزاف ثلاثة أرباع النقد الأجنبي يتم عبر الاعتمادات المستندية والاستهلاك الشخصي غير منطقي بدون وضع قيود على الاستيراد وتفعيل الضوابط المالية.
كما أوضح أن جزءًا من الأموال في السوق يُحتفظ به بغرض المضاربة على العملة، مشيرًا إلى أن المضاربة تنشط بسبب الفارق الكبير في الأسعار بين السوق الرسمية والسوق الموازي، وأن تقليل هذا الفارق هو الحل الأمثل للحد من المضاربة.
وأكد الشريف ضرورة تشكيل حكومة موحدة تتمتع بالكفاءة الفنية بعيداً عن المحاصصة السياسية، معرباً عن أمله في حل سياسي سريع يخرج البلاد من الأزمة. مضيفاً أن غياب الإصلاح السياسي سيؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي.
وحذر الشريف من أن العقلية السياسية القائمة والتي تزاوج بين المال والمنصب هي السبب الرئيسي في انتشار الفساد، الذي أصبح ظاهرة عامة. مبيناً أن هذا الفساد هو الذي أدى إلى تضخم البطالة وارتفاع أسعار الصرف، مما أثر سلباً على كافة مؤشرات الاقتصاد الليبي، وخلق حالة من الاختلال الهيكلي الخطير في الاقتصاد.









