اخبار مميزةليبيا

جربوع: الأزمة الليبية ستستمر 18 شهرًا إضافيا

وصف الخبير في العلاقات الدولية محمود جربوع البعثةَ الأممية للدعم في ليبيا بأنها تمرّ بـ “أضعف مراحلها على الإطلاق”، منتقدًا ما وصفه بـ “غياب خارطة طريق حقيقية” قادرة على تحقيق اختراق سياسي ملموس في مسار الأزمة الليبية.

وفي مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار” رصدتها «الساعة 24»، أكد جربوع أن ما قدمته البعثة لا يرقى لأن يُسمى خارطة طريق، موضحًا أن المقترح الحالي يفتقر إلى جدول زمني واضح، ومعالم محددة وخطوات عملية قابلة للتنفيذ، الأمر الذي يعكس – بحسب تعبيره – ضعف البعثة وعجزها عن أداء مهامها الأساسية.

وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أن البعثة اليوم غير قادرة على التأثير الفعلي في الأطراف السياسية المتنازعة، لافتًا إلى أن تقريرها الأخير المقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة يوضح بجلاء افتقارها للقدرات المالية والبشرية اللازمة لأداء دورها المطلوب.

وفي رده على تقييم الأمين العام للأمم المتحدة لأداء البعثة، رأى جربوع أن هذا التقييم يعكس فشل تنفيذ خارطة الطريق وتراكم الإخفاقات السابقة، مشيرًا إلى أن تعاقب المبعوثين الأمميين – بدءًا من اتفاق الصخيرات وصولًا إلى محاولات جنيف – لم يسفر عن حلول حقيقية، بل أدى إلى نقل الأزمة من مرحلة إلى أخرى دون معالجة جذورها.

وفي السياق ذاته، انتقد جربوع أداء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبرًا أنها تمرّ بدورها بـ “أضعف حالاتها”، إذ لم تقدّم حلولًا حاسمة أو مخرجات واقعية يمكن البناء عليها. وأوضح أن البعثة اكتفت بالحديث عن إعادة النظر في القوانين الانتخابية وإعادة تنظيم المفوضية دون طرح رؤية جديدة تُحدث تغييرًا جوهريًا في المسار السياسي.

وأضاف أن المطالب الشعبية، بما في ذلك أصوات الأحزاب والنشطاء، كانت واضحة في الدعوة إلى خارطة طريق محددة وملزمة، إلا أن البعثة “إما أنها غير راغبة أو عاجزة عن طرح حل سياسي حقيقي”.

وشدد جربوع على أن الأزمة الليبية ستستمر دون حلول فعلية خلال الـ 12 إلى 18 شهرًا القادمة، ما لم يتم التأسيس على إرادة محلية صادقة تبدأ بإصلاح المفوضية وتعديل القوانين الانتخابية والإعلان الدستوري بما يتماشى مع تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة.

واعتبر جربوع أن نجاح العملية السياسية لا يمكن أن يُبنى على الفاعلين الدوليين فقط، بل يرتبط بجدية القيادات الليبية، موضحًا أنه “لو توفرت الإرادة السياسية المحلية لما احتاجت ليبيا إلى بعثة أممية أو دعم خارجي منذ البداية.”

وانتقد الخبير في العلاقات الدولية تركيز تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير على هيكل البعثة ومسؤولية الأطراف المحلية، معتبرًا أن التقرير منح الفاعلين المحليين النصيب الأكبر من الانتقاد، بينما لم يخصص سوى “ثمانية أو تسعة أسطر فقط” للحديث عن الدور الخارجي، رغم أن هذا الدور – بحسب قوله – لا يمكن فصله عن الأزمة الليبية.

وأشار جربوع إلى أن التدخلات الخارجية تحدث عبر دعم دولي لقيادات سياسية داخل ليبيا، مؤكدًا أن “الفشل الليبي لا يمكن تحميله فقط للتدخل الدولي، لأن هذه التدخلات ما كانت لتحدث لولا وجود أطراف محلية تستدعيها وتستقوي بها.”

وحول توصيف التقرير الأممي لعقلية الفاعلين الليبيين بأنها “صفرية”، أوضح جربوع أن هذه العقلية تعني أن كل طرف يرى في مكاسب الطرف الآخر تهديدًا له، مضيفًا: “منذ اتفاق الصخيرات في 2015، لم تتم تسمية الوظائف السيادية رغم النص على حسمها خلال 60 يومًا، وتكرر الأمر بعد اتفاق جنيف عام 2020، دون تحقيق أي تقدم.”

وشدد على أن عدم الاتفاق حتى على من يقود مؤسسات الدولة السيادية يعكس غياب الرغبة الحقيقية لدى الأطراف في توحيد المؤسسات السياسية، مضيفًا أن هذا السلوك يحول دون تحقيق الحد الأدنى من التوافق، فما بالك بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة.

وأشار أيضًا إلى أن “الرهان على هذه القيادات السياسية لإنتاج حل سياسي أصبح أمرًا عبثيًا”، مؤكدًا أن استمرار البعثة الأممية في الاعتماد على نفس الوجوه لن يؤدي إلى نتائج ملموسة طالما أن الإرادة الوطنية الصادقة غائبة.

وأضاف أن الأزمة الليبية لا تكمن فقط في غياب النصوص القانونية والدستورية، بل في عدم احترامها وتطبيقها من قبل القيادات السياسية، مشيرًا إلى أن “القانون لا يغير العقلية، بل إن تغيير العقلية يبدأ من الداخل.”

وبينّ جربوع أن عقلية السياسي والمواطن لا تتغير بمجرد وجود نصوص قانونية أو دستورية، معتبرًا أن هذه العقلية ترسخت نتيجة غياب إطار دستوري شامل يعالج القضايا الجوهرية المتعلقة بتقسيم السلطة وتوزيع الثروات، وهو ما أدى إلى ترسيخ عقلية “المحصلة الصفرية” التي ترى أن مكاسب الخصم تعتبر خسارة شخصية، مما يغيب مبدأ التوافق الوطني.

وأضاف أن بعض السياسيين يوظفون الانتماءات القبلية أو الجهوية لتحقيق مصالحهم الخاصة، قائلًا: “لا أحد حريص على مصلحة إقليمه أو قبيلته، بل تُستخدم هذه العناوين كوسائل للبقاء في المناصب وتحقيق مكاسب شخصية.”

وأوضح الخبير في العلاقات الدولية أن الصراع بين القوى السياسية والمسلحة في ليبيا لا يدور حول الخدمات العامة كالصحة والتعليم، بل يتمحور حول ثلاث مؤسسات سيادية رئيسية هي: مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وديوان المحاسبة، وهو ما يكشف طبيعة الصراع القائم على الموارد والنفوذ المالي.

وأكد أن ليبيا لا تعاني من غياب القوانين، إذ تمتلك ترسانة قانونية جيدة وجهازًا قضائيًا متكاملًا، إلا أن الأحكام القضائية لا تُحترم من قبل الأطراف السياسية، ما يقوض سيادة القانون ويعطل دور القضاء.

وتساءل جربوع: “كيف نفرض سيادة القانون في ظل غياب سلطة ضبطية موحدة قادرة على تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء؟”، لافتاً إلى أن تحقيق التوافق السياسي هو الخطوة الأولى نحو إيجاد مثل هذه السلطة، غير أنه أوضح في المقابل أن من يمتلكون القرار السياسي لا يريدون توحيد السلطة التنفيذية الضبطية خوفًا من خضوعهم للمحاسبة.

واختتم جربوع حديثه بالتأكيد على أن الخروج من هذه الدائرة المغلقة يبدأ بالاتفاق على إطار دستوري جامع، يضمن تطبيق القانون بعدالة ومساواة، ويضع حدًا لـ العقلية النفعية التي تقدم المصلحة الذاتية على التوافق الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى