اخبار مميزةليبيا

إسماعيل: الحوار المهيكل فرصة أخيرة قبل انهيار المسار السياسي

قال المحلل السياسي السنوسي إسماعيل إن مفهوم الحوار المهيكل الذي تتحدث عنه المبعوثة الأممية إلى ليبيا “هانا تيتيه”، ليس جديدًا، موضحًا أن المبعوثة سبق وأن أدرجته ضمن خريطة الطريق التي طرحتها منذ توليها مهامها، باعتباره مسارًا جامعًا بين الليبيين يهدف إلى دعم العملية السياسية القائمة.

وأوضح إسماعيل في حديث لقناة «ليبيا الأحرار» رصدته «الساعة 24» أن كل خطوة تتخذها البعثة الأممية تأتي في إطار مقتضيات تلك الخريطة، مؤكدًا أن الحل في ليبيا لا يحتكره مجلسي النواب والأعلى للدولة، فهما جزء من الحل، مشيرًا إلى أن اختصاصهما الأساسي يرتبط بـالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الذي أنتجته لجنة (6+6)، والذي يمكن مناقشة تعديله أو الإبقاء عليه سواء ضمن الحوار المهيكل أو بين المجلسين مباشرة.

وأضاف أن خريطة الطريق تمتاز بمرونة كبيرة من حيث المدد الزمنية وإمكانية إطلاق مسارات متوازية، معتبرًا أنه لا يوجد ما يمنع المجلسين من البدء في مناقشة القضايا الجوهرية فورًا، كخطوة عملية نحو التوافق.

وأشار إسماعيل إلى أن ذلك لا يعني تجاهل تعقيدات المشهد، بل التأكيد على ضرورة استثمار الحد الأدنى من الشرعية المتمثل في الإعلان الدستوري، وما انبثق عنه من ترتيبات، سواء اتفاق الصخيرات المضمّن في الإعلان، أو مخرجات ملتقى جنيف، أو التعديل الثالث عشر الذي يمثل امتدادًا قانونيًا لتلك المرجعيات.

ورأى إسماعيل أن إطلاق الحوار المهيكل في هذا التوقيت يمثل تأكيدًا من البعثة الأممية على أن خريطة الطريق دخلت حيّز التنفيذ، ودعوة صريحة لكل الأطراف الليبية للمشاركة في مناقشة القضايا الكبرى، مثل الاقتصاد والحوكمة والأمن وحقوق الإنسان، باعتبارها ملفات تحتاج إلى توافق وطني واسع.

وأشار إسماعيل إلى أن الاتفاق السياسي لا يزال قائمًا ولم يصدر عن مجلس الأمن أي قرار يتجاوزه، ما يستدعي – وفق رأيه – إتاحة الفرصة أمام مجلسي النواب والدولة لاستكمال الملفات العالقة، كما انتقد الربط بين استكمال تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وملف المناصب السيادية، معتبرًا أن هذا الترابط تسبب في تعطيل العملية السياسية، موضحًا أن الخطوة المنطقية كانت تقتضي أولًا استكمال أعضاء المفوضية ثم الانتقال إلى مناقشة المناصب السيادية، إلا أن ما حدث يعكس – بحسب وصفه – نية في العرقلة داخل اللجنة المشتركة.

وبينّ إسماعيل أن معالجة هذه الملفات ستقود إلى مسألة أساسية واحدة تتمثل في تشكيل حكومة موحدة جديدة، لكونها شرطًا ضروريًا لتوحيد المؤسسات وتهيئة المناخ المناسب لإجراء الانتخابات. وأضاف أن إجراء انتخابات في ظل الانقسام الحالي أمر غير منطقي، مشددًا على ضرورة وجود دولة موحدة بقوانين انتخابية متفق عليها قبل تحديد موعد الاستحقاق الانتخابي.

وفيما يتعلق بموقف البعثة الأممية، أوضح إسماعيل أن المبعوثة “هانا تيتيه” تستخدم طرح تجاوز المجلسين كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي لدفعهما نحو تحمّل مسؤولياتهما، معتبرًا أن هذا الأسلوب مشروع في إطار تسريع العملية السياسية.

ولفت المحلل السياسي إلى أن الأداء العملي للمؤسسات ما يزال ضعيفًا، رغم غياب الاعتراضات على خريطة الطريق، مشيرًا إلى أن إطلاق الحوار المهيكل سيُسهم في زيادة الضغط على الأطراف السياسية لدفعها نحو التفاعل الجاد مع متطلبات المرحلة والانتقال إلى خطوات أكثر عملية في مسار التسوية. مشيراً إلى أن المسار السياسي في ليبيا ما زال مفتوحًا أمام المحاولات الهادفة إلى تحقيق الاستقرار، مشددًا على ضرورة تجنّب أي شعور باليأس، لأن الحفاظ على حالة الاستقرار النسبي التي تعيشها البلاد يُعد أساسًا لأي حل سياسي قادم.

وقال إسماعيل إن فشل أي مبادرة لا يعني نهاية الجهود، بل يمثل – في رأيه – محطة يمكن أن تُبنى عليها محاولات جديدة، مشيرًا إلى أن كل إخفاق يقرب البلاد من حالة التأزم، غير أن العودة إلى مربع الاحتراب تبدو احتمالًا بعيدًا في ظل التوازنات الدولية الحالية.

وأوضح أن البيئة الإقليمية والدولية لا تشجع على اندلاع صراع جديد في ليبيا، لأن موازين القوى الراهنة تميل إلى التفاهم أكثر من المواجهة، معتبرًا أن الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا، تمتلك قرار الحرب في ليبيا أكثر مما يملكه الليبيون أنفسهم. مبيناً أن أي مواجهة جديدة لن تحقق مصالح لأي طرف، سواء داخلي أو خارجي، مؤكدًا أن الحرب في ليبيا باتت قرارًا دوليًا بامتياز.

وأشار إسماعيل إلى أن هناك تفاهمات إقليمية لافتة، منها التقارب المصري – التركي، والفرنسي – الإيطالي، إلى جانب تحسن العلاقات الخليجية بين دول كانت على خلاف حول الملف الليبي، مثل قطر والإمارات، فضلًا عن دور السعودية المتنامي في تقريب وجهات النظر. لكنه لفت إلى أن هذه التفاهمات لم تنعكس بعدُ على المسار الليبي إيجابيًا، إذ لم تُترجم إلى دعم ملموس لخطة المبعوثة الأممية داخل مجلس الأمن، الذي لا يزال عاجزًا عن إصدار قرار حاسم بشأن ليبيا.

ورغم هذا الجمود الدولي، يرى إسماعيل أن أمام الليبيين مساحات يمكنهم التمسك بها وفرضها على المجتمع الدولي، في حين تبقى بعض القضايا خارجة عن نطاق قدرتهم، مثل التوازنات الإقليمية التي تشارك فيها دول مؤثرة مثل تركيا ومصر.

وبيّن أن الحديث عن التفاؤل أو التشاؤم ليس هو الأساس، بل المهم هو أن خريطة الطريق لم تتوقف رغم عدم تحقق التوافق حول القوانين الانتخابية وتشكيل الحكومة الموحدة حتى الآن.

وتطرق السنوسي إسماعيل إلى مسألة توحيد الدولة تحت حكومة واحدة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يمثل هدفًا رئيسيًا في خريطة الطريق، وأساسًا لأي محاولة جادة لحل الأزمة الليبية، مشددًا على أن غياب حكومة موحدة يجعل الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية مجرد نظريات غير قابلة للتنفيذ.

وأشار إلى أن خريطة الطريق تعتمد على ثلاثة ركائز أساسية هي: توحيد الحكومة، تعديل القاعدة الانتخابية، وتوسيع المشاركة عبر إضافة أعضاء جدد، موضحًا أن تنفيذ هذه المهام يقع في المقام الأول على عاتق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

وحول “الغموض” في الحوار المهيكل أكد السنوسي أن هذا الأمر يعكس تحفظ البعثة على الكشف عن جميع تفاصيل الخطوات المقبلة في وقت مبكر، مشيرًا إلى أن بعض الخيارات تظل مؤجلة إلى حين نضوج الظروف السياسية.

وردف: الجمود الحالي يعود بدرجة كبيرة إلى مجلس الدولة، الذي – بحسب تعبيره – “يعطل التوافقات التي أُنجزت في فترات سابقة”، مؤكدًا أن رئاسة المجلس الحالية لا تُبدي تفاعلًا إيجابيًا مع جهود التوافق بين المجلسين حول القوانين الانتخابية وتوحيد الحكومة.

وبيّن أن البعثة الأممية لا تزال تمنح مجلسي النواب والدولة فرصة للتحرك الذاتي، لكنها تمتلك في الوقت ذاته بدائل أخرى يمكن تفعيلها في حال استمرار التعثر، لافتًا إلى أن الحوار المهيكل سيكون بمثابة قوة ضغط سياسية على المجلسين لدفعهما نحو التفاهم.

وأضاف أن هناك داخل المؤسستين التشريعيتين تيارًا توافقيًا يمكن للبعثة أن تتعامل معه مباشرة لتجاوز الجمود الحالي، دون انتظار مبادرات من رئاسة أي من المجلسين، مشيرًا إلى أن نجاح خريطة الطريق يظل مرهونًا بالتوافق على القاعدة الدستورية وتشكيل حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات.

وأضاف إسماعيل: أن الحوار المهيكل يشكّل أداة ضغط إيجابية وليست غامضة، مستشهدًا بما وصفه بعض المحللين بـ “الغموض البنّاء” الذي يسمح بإدارة العملية السياسية بمرونة في ظل تشابك المصالح الداخلية والخارجية في ليبيا.

وختم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب من جميع الأطراف التعامل مع الأزمة بعقلية “حساب الأيام لا الأشهر”، مؤكدًا أن أي تأخير أو تهاون في اغتنام الفرصة الراهنة قد يفتح الباب أمام عقوبات أو ضغوط دولية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى