عبد القيوم: مبادرة المشير حفتر مقترح وطني لبناء الدولة الليبية الحديثة

أكد الكاتب الصحفي عيسى عبد القيوم، أن القائد العام للقوات المسلحة، المشير خليفة حفتر، مستمر في إجراء لقاءاته المكثفة مع الفعاليات الاجتماعية في مختلف المدن الليبية، واصفاً هذه اللقاءات بأنها تمثل حواراً مباشراً بين القيادة والشعب حول القضايا الوطنية. وتهدف إلى البحث عن حلول للأزمة السياسية والاقتصادية، انطلاقاً من الواقع المعيشي للمواطن الليبي، الذي يعاني من الإحباط وفقدان الأمل، ويشعر بأنه محاصر في لعبة “الباب الدوار”، فيما يرى عبد القيوم أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب إعادة النظر من زاوية وطنية وبجهود محلية.
وأوضح عبد القيوم، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن هذه اللقاءات تمثل محاولة لإعادة الثقة وفتح آفاق جديدة للحوار الوطني، مشيرًا إلى أن استمرار الجمود السياسي فرض على الليبيين البحث عن زاوية جديدة للنظر إلى الأزمة، بعد أن ثبت أن الحلول السابقة لم تحقق اختراقًا حقيقيًا
وبيّن عبد القيوم أن الجيش الوطني يسعى من خلال هذه المبادرة إلى نقل النقاش الليبي إلى موقع جديد يتيح إيجاد معطيات وفرص مختلفة قد تساعد في كسر الجمود القائم.
وأشار إلى وجود مجموعات رافضة لأي مبادرة، لا بدوافع سياسية واضحة، بل لأسباب شخصية أو نفسية، موضحًا أن هذه الفئة قد تسعى إلى تعطيل الحوار وجرّ الشارع الليبي نحو طريق مسدود. ودعا في المقابل المثقفين والنخب السياسية إلى الانخراط الإيجابي في الحوار، أو تقديم مبادرات بديلة بدلاً من الاكتفاء بالرفض.
وعبّر الكاتب الصحفي، عن مخاوفه من تدخل بعض الدول التي ترى في استمرار الانقسام الليبي مصدرًا لمصالحها الاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى أن استيقاظ الضمير الوطني وتوحيد الصفوف كفيلان بتقليص تأثير هذه الأطراف الخارجية. وأضاف أن بعض الدول تستفيد من الوضع القائم في ليبيا وتوظيف الأزمة كمورد دخل، ما يجعلها غير متحمسة لأي حل جذري.
وشدد على أن إجماع الليبيين حول مبادرة وطنية كفيل بتغيير موقف المجتمع الدولي، الذي وصفه بالبراغماتي، موضحًا أن القوى الدولية عادة ما تنحاز إلى خيارات الشعوب حين تتوحد إرادتها، وضرب مثالاً بحالات تاريخية في ليبيا وسوريا أظهرت أن الموقف الدولي يتبدل عندما يتشكل إجماع شعبي واضح على خيار سياسي محدد.
ورأى عبد القيوم، أن مبادرة القائد العام للجيش الليبي، المشير خليفة حفتر، تمثل دعوة مفتوحة للكتلة الوطنية من أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وقبائل وشخصيات عامة، من أجل صياغة مشروع وطني لإنقاذ ليبيا، موضحاً أن الجيش لم يطرح مبادرة سياسية جاهزة تتضمن تفاصيل السلطة أو أسماء القيادات، بل اكتفى بتهيئة الأرضية للحوار الوطني وترك للتيار المدني مسؤولية كتابة المبادرة السياسية وآليات تنفيذها.
وأضاف أن الهدف من ذلك هو إشراك جميع القوى الوطنية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن الجيش تعهد بحماية أي مشروع وطني يتفق عليه الليبيون، باعتباره الجهة القادرة على ضمان أمن العملية السياسية واستقرارها.
وبيّن أن هذه الدعوة موجهة إلى جميع الليبيين دون استثناء، داعيًا إلى أن تكون صياغة المبادرة جماعية تبدأ من “ورقة بيضاء”، يُشارك فيها الجميع – من الشرق والغرب والجنوب – لوضع تصور واضح للأهداف، والفترة الانتقالية، ومصير الأجسام السياسية القائمة، ودور القوات المسلحة في المرحلة المقبلة.
ولفت إلى أن الجيش الوطني لن يتعامل مع ملايين الأفراد، بل مع ممثلين عن مختلف الأطياف، مما يستدعي الاتفاق على معايير وأطر تنظيمية تضمن شمولية التمثيل وعدالة الحوار.
وحذر الكاتب الصحفي، من محاولات بعض الأطراف تسييس المبادرة أو نسبتها إلى منطقة أو جهة بعينها، مؤكدًا أن المشروع المقترح “وطني بامتياز”، ولا يرتبط بما يسمى “مبادرة الشرق” أو “مبادرة حفتر”، بل هو مشروع إنقاذ لكل ليبيا.
وذكر أن المبادرة لا تستثني الخصوم، بل تدعوهم إلى الجلوس على طاولة واحدة من أجل طيّ صفحة الخلافات، مشيرًا إلى أن بنغازي شهدت في السابق لقاءات بين شخصيات متخاصمة سياسيًا دون أن يتعرض أي منها لمضايقة، بل قوبلت بالترحاب، في إشارة إلى إمكانية تجاوز الماضي لصالح المصلحة الوطنية العليا.
وأضاف أن القيادة العامة للجيش سبق أن رحبت بشخصيات مثل فتحي باشاغا، ما يعكس استعدادها للتعامل مع جميع الأطراف التي تبدي نية صادقة في الحوار وتضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة.
وتابع: المشروع المطروح لا يقتصر على الدور القبلي، بل يشمل كل الشرائح الوطنية، من أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة، مشيرًا إلى أن جميع المكونات مدعوة للمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
ودعا التيار الوطني في مختلف المدن الليبية إلى التحرك المتوازي مع جهود القيادة العامة، عبر عقد لقاءات ثنائية مباشرة بين المجموعات السياسية والاجتماعية في الشرق والغرب والجنوب، مؤكدًا أن مثل هذه اللقاءات تساهم في إعادة بناء الثقة المفقودة بين الليبيين بعد سنوات من الانقسام.
وقال إن التواصل المباشر “وجهًا لوجه” بين ممثلين من مناطق مختلفة هو السبيل الحقيقي لتجاوز المخاوف، لأن اللقاء الإنساني، على حد وصفه، يكسر الحواجز التي لا يمكن تجاوزها عبر وسائل التواصل أو التصريحات الإعلامية.
وركز عبد القيوم إلى أن هذه اللقاءات الثنائية بين أبناء الوطن الواحد يمكن أن تمهد الطريق لتفاهمات أعمق، بحيث تفاجئ القوى الوطنية القيادة العامة بمقترحات جاهزة نابعة من الداخل، بدل انتظار مبادرات تُفرض من أعلى. وشدد على أن التيار الوطني هو المعني بقيادة الحوار وصياغة الحلول، بينما يظل دور الجيش حماية هذه العملية وضمان تنفيذ مخرجاتها.
ونوه إلى إن المرحلة المقبلة في ليبيا يجب أن تنطلق من رؤية للمستقبل بعيدًا عن صراعات الماضي، مشددًا على أن أي حوار وطني ناجح يجب أن يُغلق ملف 2011 بكل تبعاته، ويبدأ من نقطة مشتركة تُعيد صياغة العلاقة بين مختلف المناطق الليبية على أساس المصالحة والبحث عن دولة مدنية حديثة.
وأوضح أن الجلوس إلى طاولة الحوار يجب أن يكون بهدف بناء المستقبل، لا لتبادل الاتهامات حول الماضي، مؤكدًا أن جميع المناطق الليبية – من برقة إلى طرابلس ومصراتة وبني وليد وغريان ودرنة – عانت من جراح الحرب، وأن استمرار اجترارها لن يؤدي إلا إلى تعطيل أي مشروع وطني. وأضاف: “إذا بدأنا الحديث من قوائم المظالم، فلن نصل إلى نتيجة، لذلك يجب أن نبدأ من نقطة جديدة نحو المستقبل.”
وشدد على أن الغاية النهائية لأي مشروع وطني يجب أن تكون إقامة دولة ديمقراطية مدنية تُبنى على الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، مذكرًا بأن المشير خليفة حفتر كان من أوائل من تحدثوا عن هذا المسار منذ لقائه مع رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في “أبو ظبي” قبل سنوات، حيث قدّم حينها وثيقة من 13 بندًا تتضمن رؤيته لإجراء انتخابات وإقامة نظام ديمقراطي.
وأضاف أن الدعوة الحالية الصادرة عن القيادة العامة تسير في الاتجاه نفسه، أي نحو بناء مسار مدني سلمي وعقلاني يقود إلى انتخابات شاملة، مؤكدًا أن هذا التوجه أصبح اليوم محور النقاشات في بنغازي وفي محيط القيادة العامة.
وفي المقابل، أشار عبد القيوم إلى أن التيار المدني في ليبيا يعاني من ضعف الحضور الميداني والتوجس المفرط، موضحًا أنه أقصى نفسه عن الفعل السياسي في مراحل سابقة. ودعا هذا التيار إلى إعادة النظر في زاويته تجاه الواقع، والمشاركة بفاعلية في دعم مسار وطني جامع بدل الاكتفاء بالنقد أو الترقب.
وأكد عبد القيوم أن الحديث عن الديمقراطية لا يمكن أن يكون مجرد شعارات، بل يجب أن يُبنى على واقع معيشي ملموس يوفر الأمن والغذاء والتعليم والصحة والخدمات الأساسية للمواطن.
وقال: “الديمقراطية التي لا تُطعم من جوع ولا تؤمّن من خوف ليست ديمقراطية حقيقية.”
وشدد عبد القيوم على أن دعوة القائد العام للحوار الوطني يجب أن تُفهم في هذا الإطار الواقعي، إذ تتطلب التعامل مع مختلف الأطياف والمكونات بعقلانية ومرونة، بعيدًا عن الإقصاء أو العناد، لأن الهدف النهائي – كما قال – هو إقامة دولة مدنية مستقرة تُبنى على الشراكة والعدالة والمواطنة.
ومضى عبد القيوم للتأكيد على أن تحقيق الأمن والاستقرار وتأسيس جيش وشرطة قويين يمثل القاعدة الأساسية للانتقال نحو النموذج المدني والديمقراطي، مبينًا أن هذه المسيرة صعبة وطويلة لأنها تتعلق بتغيير في بنية الثقافة والمجتمع، وليس فقط في شكل النظام السياسي.
وأعرب عبد القيوم عن ثقته في نجاح مبادرة القائد العام، مشيراً إلى أنها ستكون خطوة حاسمة نحو الاستقرار، مؤكدًا أن فشلها لا يعني نهاية الطريق، بل سيترك الباب مفتوحًا أمام خيارات أخرى، وإن كانت أصعب.
كما أوضح إلى أن هذه المبادرة ليست دعوة لتقسيم البلاد، بل لمراجعة شكل المركز السياسي وإعادة توزيع التوازن الوطني، موضحًا أن الحديث عن “مركز سياسي ثانٍ” لا يعني إعلان دولة أخرى، بل هو تنظيم سياسي موازٍ يحدث في فترات التحول التاريخي.
واعتبر أن القيادة العامة اليوم تسير على خطى الآباء المؤسسين الذين تجاوزوا الخلافات من أجل بناء وطن موحد، داعيًا جميع القوى السياسية والاجتماعية إلى التفاعل الإيجابي مع دعوة القائد العام للحوار الوطني والمساهمة في صياغة مشروع وطني جامع.
وقال عبد القيوم إن مظاهر الإعمار في بنغازي وسرت وطبرق والمرج وجردس وغيرها تعكس قدرة حقيقية على بناء دولة منظمة، قادرة على إدارة مواردها وتوجيه ثرواتها نحو الداخل، مضيفًا: “لدينا اليوم مؤشرات أننا نمسك بأطراف الدولة ونستطيع تسييرها بشكل فعّال.”
وأشار إلى أن هذا التقدم الملموس في الشرق أعاد للأذهان تجربة عام 1949، حينما تشكلت في بنغازي نواة الدولة الليبية الحديثة التي أفضت لاحقًا إلى الاستقلال وتوحيد البلاد. وأوضح أن ما يتحقق اليوم من أمن وإعمار ليس بديلًا عن الدولة الموحدة، بل بداية طريق نحو استعادتها على أسس صحيحة.
وعبّر عبد القيوم عن إعجابه بمشاهد التنمية في مدينة سرت، مشيرًا إلى أن جامعتها ومطارها وبنيتها التحتية الحديثة أصبحت نموذجًا يحتذى في التنمية المحلية، قائلاً إن مثل هذه المشاريع يمكن أن تدفع المدن الأخرى للمطالبة بنصيبها من التنمية والثروة الوطنية.
وأضاف: “عندما ترى طفلًا في الجنوب الليبي يقطع أكثر من 13 كيلومترًا سيرًا على الأقدام للوصول إلى مدرسته، بينما تمر الثروة النفطية من تحت قدميه، فإن ذلك يعكس خللًا عميقًا في العدالة التنموية،” مشيدًا في الوقت نفسه بالاستجابة السريعة التي تمثلت في توفير حافلات مدرسية لهؤلاء الأطفال، معتبراً أن هذه الخطوات الصغيرة ترسخ الشعور بالمواطنة والانتماء الوطني.
وأوضح عبد القيوم أن المشير حفتر يتابع عن كثب النقاشات الوطنية والإعلامية، وأن الأفكار المطروحة من المثقفين والسياسيين والوطنيين وصلت إلى القيادة العامة وأثرت في توجهها نحو إطلاق هذا المسار الجديد. وأضاف: “ربما تكون هذه المبادرة ثمرة تراكم كل تلك الأفكار التي نوقشت خلال السنوات الماضية في الإعلام وفي المقاهي السياسية.”
من جهة ثانية بيّن عبد القيوم ، أن المبادرة الأممية تعتمد على آليات تمثيل جغرافي ومجتمعي وثقافي متوازنة، لكنها في الواقع لم تحقق أي ضمانات حقيقية للشفافية أو الاستقرار، مؤكداً أن الحوار المهيكل قد يؤدي إلى تمديد الأزمة لسنة ونصف أخرى دون نتائج ملموسة.
وأكد أن غياب الإرادة الدولية الموحدة يمثل أحد نقاط ضعف الحوار الأممي، حيث إن القضايا الليبية تقع بين أيدي خمس دول كبرى متشابكة ومتناقضة المصالح، مما يقلل من فعالية أي تدخل أممي ويزيد من احتمالات الصراع بالوكالة في البلاد.
واختتم عبد القيوم حديثه بدعوة القيادة العامة والمؤسسات الوطنية إلى المواصلة في المبادرة الوطنية بالتوازي مع أي جهود دولية، مشدداً على ضرورة وضع إطار زمني واضح للمرحلة الانتقالية لضمان عدم تكرار الفشل السابق.









