ليبيا

الشحومي: منظومة الاعتمادات المصرفية غارقة في الفساد والتلاعب

كشف المتخصص في صناديق الاستثمار، منذر الشحومي عن وجود فساد واسع ومعقد في نظام الاعتمادات المصرفية في ليبيا، مؤكدًا أن الفجوة السعرية ونقص الشفافية ساهمت في نمو السوق الموازية، وتهريب العملة إلى خارج البلاد.

وشدد الشحومي، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، ورصدتها “الساعة 24” على أن الوضع الاقتصادي في ليبيا يشهد تعقيدات كبيرة، محذرًا من انعكاسات محتملة على صرف المرتبات في المستقبل القريب.

وأوضح أن تصريحات محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، خلال مؤتمر الاستثمار المصرفي الأخير، تعكس القلق بشأن تعذر صرف المرتبات، وهو موقف سبق أن أكد عليه المحافظ “علي الحبري” في عام 2023 في حال تغير سعر صرف الدولار إلى مستويات غير مستقرة.

وأشار الشحومي إلى أن توقعات مؤسسة الطاقة الدولية في الولايات المتحدة تشير إلى أن متوسط أسعار النفط بنهاية العام 2025 سيتراوح بين 60 و65 دولارًا للبرميل، بينما سيكون متوسط الأسعار في 2026 بين 50 و60 دولارًا للبرميل، محذرًا من أن أي إشكالية حالية في الميزانية، أو اختلال الميزان التجاري ستتفاقم إذا لم تُعالَج جذريًا.

وتناول الشحومي، الوضع الهيكلي في مصرف ليبيا المركزي، موضحًا أن الوضع الحالي ليس وليد اللحظة، وأنه جزء من إدارة سابقة ساهمت في الانقسام السياسي، مشددًا على أن هذه السياسات أدت إلى استنزاف الاحتياطيات من 120 مليار إلى 80 مليار دينار دون تحقيق أي زيادة في الإنتاجية أو الناتج المحلي، مع مضاعفة عرض النقود إلى أكثر من ضعفيه في 2014 دون تحقيق أي عائد اقتصادي.

وأكد الشحومي أن القرارات مثل إعادة تقييم الذهب من السعر التاريخي إلى سعر السوق أثارت تخبطًا إداريًا، على غرار ما تفعله الولايات المتحدة التي تحتفظ بذهبها على أسعار السبعينات في موازناتها، مشيرًا إلى أن السياسات النقدية الحالية غير واضحة، وأن المسؤولين المعنيين غير قادرين على العمل بشكل مؤسسي ومهني.

وذكر مثالًا على نضج الإدارة الأمريكية، قائلاً إن محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتجنب الانخراط في الشؤون السياسية رغم الاستفزازات، ويعتمد على التواصل المباشر مع الرئيس، مقارنة بردود الأفعال المحلية التي وصفها بأنها لا تؤدي لأي نتائج إيجابية، مشددًا على أهمية النضج السياسي والمؤسسي في التعامل مع القضايا الاقتصادية الحرجة.

ورأى الشحومي، أن الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا يشهد تخبطًا حادًا، نتيجة السياسات النقدية غير الواضحة وغياب التخطيط الاستراتيجي لمصرف ليبيا المركزي. وأكد أن المواطن هو المتضرر الرئيسي من الصراعات السياسية وسوء إدارة الموارد، مشيرًا إلى أن إجراءات مثل طباعة عملة جديدة أو فرض الدفع الإلكتروني دون إعداد بنية تحتية مناسبة تؤدي إلى صدمات مالية واجتماعية.

وأشار إلى أن إدارة المركزي الحالية تبدي صمتًا طويلًا أحيانًا يمتد لشهور قبل إصدار بيانات مفاجئة تؤدي إلى صدمة الشارع، مستشهدًا بعجز ميزانية 2024 البالغ 5 مليارات دينار، والانفاق السنوي الذي وصل إلى 224 مليار دينار، وهو مستوى قياسي بحسب الشحومي.

وأضاف أن مثل هذه السياسات تُحمّل المواطنين تبعات أخطاء السياسيين والتكنوقراط، من دون تقديم حلول جوهرية للمشاكل المركبة. منبهاً إلى أن خطط التحول إلى الدفع الإلكتروني فشلت في تحقيق أهدافها بسبب ضعف التخطيط الاستراتيجي وفرض سقوف عمولة غير مناسبة لشركات التشغيل، بالإضافة إلى ضعف التواصل مع الخبراء وتقنيي القطاع، مما أسفر عن تخبط في اتخاذ القرارات. موضحاُ أن المحاولات للتعامل مع السوق الموازية وإشراكها في تقديم الخدمات المالية كانت بمثابة تعويض جزئي عن قصور المركزي.

ولفت إلى أن مجلس إدارة المصرف، رغم وجوده كجهة إشرافية، ينعقد أربع أو خمس مرات فقط سنويًا، في حين يتحمل المحافظ المسؤولية اليومية عن وضع السياسات الاستراتيجية والإشراف على المصارف. مشيراً إلى أن المركزي قلّص دور المصارف كشريك استراتيجي، مؤكداً أن عدم قدرة المصرف على الرقابة على جهات تتبع له يُعد إخلالًا أساسيًا بدوره الرقابي والسيادي.

وقال الشحومي: إن الوضع الحالي يتطلب محافظًا قادرًا على التخطيط الاستراتيجي، وتحمل المسؤولية، ووضع سياسات واضحة لإدارة النقد والرقابة المصرفية، بعيدًا عن سياسات الصدمة التي أثقلت كاهل المواطن. مبيناً أن الاعتمادات لا تُمنح إلا لمن يمتلك النقد الكافي، ويستطيع إتمام العمليات عبر المصارف التجارية المتحكمة، ما يكرس النفوذ لبعض العائلات ويهمش التجار الآخرين.

وأكد أن هذا النظام خلق منظومة متهالكة، حيث أصبحت القواعد الرسمية عرضة للتحايل، ما أدى إلى تفاقم مشكلات الاستيراد والمواد الأساسية مثل السكر والدقيق.

ولفت الشحومي إلى تدخل شركات مراجعة دولية لمراقبة العمليات المصرفية، نتيجة المخاطر الكبيرة التي قد تنجم عن أخطاء إدارة الاعتمادات، مثل تهريب الأموال أو تمويل الإرهاب، مشددًا على أن هذا التدخل يمثل نوعًا من التنازل عن السيادة الوطنية، رغم ضرورته لضبط النظام المالي.

وأكد أن المصرف المركزي لا يمتلك سياسات واضحة، بل يستخدم أدوات قديمة وموروثة لم تحقق أي نتائج إيجابية، بل فتحت أبوابًا كبيرة للمخاطر على الاقتصاد. وأضاف أن الرقابة الحقيقية يجب أن تتم على المصارف نفسها، وليس بالتحكم المباشر بمنح الاعتمادات، حتى تتوازن مصالح التجار والبنوك مع حماية النظام المالي.

وفيما يتعلق بالبنوك التجارية، أوضح الشحومي، أن دور الرقابة يجب أن يقتصر على مراجعة الالتزام بالقوانين واللوائح، ومعاقبة المخالفين، دون التدخل المباشر في العمليات، محذرًا من أن أي أخطاء إدارية قد تؤدي إلى إغلاق البنوك أو حرمان السوق من الخدمات الأساسية.

وبينّ أن الفساد ليس مجرد قضية محلية، بل تم رصده من قبل منظمات ومواقع دولية مختصة، مما يعكس الحاجة الملحة لإصلاح شامل وشفاف في منظومة الاعتمادات المصرفية الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى