ليبيا

بوسعيدة: استراتيجية القيادة العامة تعيد تموضع ليبيا في العمق الإفريقي

وصف المحلل السياسي عمر بوسعيدة التحركات الأخيرة للقيادة العامة للجيش الوطني مع دول الجوار، بتشكيل قوة مشتركة لتأمين الحدود الليبية – التشادية، بأنها تعبّر عن انتقال استراتيجي من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة بناء شراكات إقليمية تهدف إلى تعزيز الأمن في الجنوب الليبي.

وأوضح بوسعيدة في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24” أنّ الخطوة الجديدة تأتي ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى وضعتها القيادة العامة لتأمين الحدود الجنوبية، التي تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر مع دولة تشاد. وأضاف أن هذا التوجه لا يقتصر على الجوانب الأمنية فحسب، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية مهمة تعزز انفتاح ليبيا على دول الساحل والصحراء.

وأشار إلى أن نجاح الشراكة الأمنية مع الجانب التشادي سيسهم في حلّ عدد من الإشكاليات المزمنة التي تؤثر على استقرار الجنوب الليبي، مبرزاً أن هذه الجهود ترسّخ موقع القيادة العامة كـ “فاعل دولي” مهم يمكن أن يشكل شريكاً عسكرياً واستراتيجياً في المرحلة المقبلة.

ولفت إلى أن المنطقة الجنوبية تتميز بـ “جغرافيا” معقدة لطالما استغلتها شبكات التهريب والجماعات الإجرامية العابرة للحدود، بالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية التي تنشط في البيئات الوعرة.

وبيّن أن التنسيق العسكري بين ليبيا وتشاد من شأنه تقليص مخاطر الإرهاب والحد من أنشطة تهريب البشر والسلاح وغيرها من الجرائم التي ترهق الدولة الليبية وتؤثر على أمن جيرانها.

كما شدد على أن تأمين هذه الحدود يتطلب موارد بشرية ولوجستية وتقنية كبيرة، بما في ذلك استخدام تقنيات المراقبة الحديثة سواء عبر الأقمار الصناعية أو الطيران المسيّر، وهو ما يجعل الشراكة الإقليمية عاملاً حاسماً في إنجاح هذه الجهود.

واضاف أن الطرفين سيستفيدان من هذه الشراكة؛ إذ سيُسهم التعاون في تقليص نشاط الجماعات المتمردة في تشاد، وفي الوقت نفسه سيعزز مكافحة التهريب واستعادة الاستقرار جنوب ليبيا، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد والأمن في المنطقة.

وأشار بوسعيدة إلى أن هذه الرؤية أصبحت أكثر وضوحاً منذ تولّي الفريق أول ركن صدام حفتر رئاسة القوات البرية، ومن ثم تعيينه نائباً للقائد العام، حيث شهدت المناطق الحدودية الجنوبية زيارات ميدانية متواصلة تؤكد منحها أولوية قصوى ضمن المخطط الاستراتيجي للقيادة العامة.

وأوضح أن هذه التحركات لا تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تشكل جزءاً من إعادة صياغة الدور الجيوسياسي لليبيا في العمق الإفريقي، عبر تأمين الشريط الحدودي وإعادة تموضع البلاد كدولة محورية في شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء.

واعتبر أن القضاء على الجماعات الإرهابية وشبكات تهريب السلاح والبشر يمثّل المرحلة الأولى من هذا التوجه، يليها تعزيز الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة لإطلاق مشاريع تنموية ونقل الجنوب من منطقة عبور إلى منطقة شراكة اقتصادية.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن المشاريع التي يجري تنفيذها على الأرض تُعدّ جزءاً من رؤية اقتصادية متكاملة، من بينها دعم المشاريع الزراعية والدوائر الإنتاجية، إضافة إلى مشروع الطريق الدولي الذي سيشكّل رابطاً بين الشمال والجنوب، وفي المستقبل بين أوروبا وإفريقيا، خاصة مع التخطيط لإنشاء مناطق حرة شمال البلاد تستقبل البضائع قبل تحويلها نحو الدول الإفريقية التي تفتقر إلى المنافذ البحرية.

وأضاف أن تأمين الحدود لا يُعدّ خياراً، بل ضرورة ملحّة تُحتمها طبيعة الجوار؛ فبينما تمتلك ليبيا حدوداً ممتدة مع تشاد فقط تتجاوز الألف كيلومتر، تواجه دول مثل السودان والنيجر ومالي اضطرابات خطيرة تجعل التعاون الإقليمي أمراً لا غنى عنه.

وعن انعكاسات هذه الجهود على حياة المواطنين، أكد أن الواقع الميداني في الجنوب يشهد تحوّلاً ملموساً. حيث ذكّر أن مناطق واسعة كانت تعاني من انتشار العصابات العابرة للحدود، إلى درجة أن الطريق بين الجفرة وسبها كانت مغلقة بالكامل بسبب عمليات الخطف وطلب الفدية، إضافة إلى انعدام الوقود نتيجة تهريبه مباشرة إلى الحدود.

وأردف: أن التدخل العسكري المنظم بقيادة الفريق صدام أسهم في فرض الأمن فوراً، تلاه انطلاق مشاريع الإعمار ودخول شركات أجنبية تتطلب مستويات عالية من الاستقرار قبل تنفيذ أعمالها، وهو ما يعكس تغيّراً جذرياً في الوضع الأمني داخل مناطق مثل سبها، أوباري، القطرون، ومرزق، حيث بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها.

وأضاف أن الخدمات باتت ملموسة للمواطنين، من خلال افتتاح مستشفيات قروية وجامعات ومساكن داخلية، إلى إعادة تأهيل الطرق الرئيسية والممرات الرابطة بالمطارات، فضلاً عن تحسين البنية التحتية في المدن التي كانت تعاني من الإهمال. وأكد أن استكمال هذه المشاريع سيجعل الجنوب خلال الفترة القادمة بيئة صالحة للإنتاج والشراكات الاقتصادية بعد أن كان منطقة طاردة للسكان.

وقال إن استدامة عمل القوة المشتركة الليبية – التشادية على الحدود الجنوبية تستوجب أدوات وآليات مدروسة تضمن قدرة الجيش الوطني على السيطرة على واحد من أصعب الشريط الحدودي في المنطقة.

وانتقد بوسعيدة استمرار حظر توريد السلاح للجيش الوطني، واصفاً إياه بأنه “إجراء غير عادل” يفرضه المجتمع الدولي رغم حاجة ليبيا الملحّة لوسائل مراقبة الحدود. لافتاً إلى أن هذا الوضع يجعل الجهود التي تبذلها القوات المسلحة “مضاعفة وشديدة التعقيد”، خصوصاً في ظل صراع سياسي داخلي وتضارب مصالح القوى الدولية، إضافة إلى وجود أطراف مستفيدة من استمرار الفوضى.

وفي سياق متصل، شدد على أن نجاح القوة المشتركة بين ليبيا وتشاد يمثل خطوة أولى مهمة، لكنه يتطلب غطاءً عسكرياً وتقنياً مستمراً وليس مجرد نشر معدات أو مدرعات. وأضاف أن معالجة ملف الهجرة والجريمة المنظمة بشكل تدريجي يعكس استعداد القيادة العامة للعب دور أكبر يتماشى مع مطالب دول الجوار والدول الأوروبية.

ورأى المحلل السياسي، أن المؤسسة العسكرية الليبية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها شريك موثوق قادر على التعاون مع الأطراف الدولية، خصوصاً في ملف الهجرة غير الشرعية الذي يشكل هاجساً رئيسياً بالنسبة لأوروبا. ومع ذلك، شدد على أن ليبيا ليست في موقع “الحارس المجاني لحدود الآخرين”، بل تقوم بحماية حدودها الوطنية أولاً، وتتحمل عبئاً أمنياً يفترض بالدول الإقليمية والأوروبية أن تقدّر حجمه وتدعمه.

وأضاف أن السيطرة الكاملة على الحدود – حتى بالنسبة للدول المتقدمة والمستقرة – ليست أمراً قابلاً للتحقيق بنسبة 100%، وخاصة في المناطق الصحراوية المفتوحة ذات الامتدادات الواسعة. ولذلك، يرى بوسعيده أن ما يقوم به الجيش الوطني عمل “كبير ومهم”، يستوجب دعماً دولياً مباشراً باعتباره يخدم استقرار المنطقة بأسرها.

وختم بوسعيدة بالتأكيد على أن ليبيا دولة محورية تطل على العمق الإفريقي من جهة، وعلى البحر المتوسط والدول الأوروبية من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل دعم المؤسسة العسكرية ليس مجرد خيار، بل ضرورة إقليمية ودولية تفرضها طبيعة التحديات الأمنية المشتركة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى