ليبيا

البوري: اختلالات سعر الصرف أدت إلى موجة من الجرائم المصرفية

قال الخبير المصرفي، نعمان البوري، إن الجرائم المتكررة التي كشفتها النيابة العامة داخل القطاع المصرفي هي نتيجة خلل أعمق يرتبط بفوارق أسعار الصرف والسياسات النقدية التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية.

وأوضح البوري في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها “الساعة 24” أن السماح بوجود فروقات كبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، إضافة إلى التباين بين سعر الكاش وسعر الصكوك، خلق بيئة خصبة للفساد. لافتاً إلى أن بعض الفروقات وصلت في سنوات سابقة إلى 100% بين السعر الرسمي والسوق الموازي، وإلى “40 – 45%” بين الكاش والصكوك، ما أدى ـ بحسب قوله ـ إلى أرباح طائلة تغري الكثيرين بارتكاب المخالفات.

ورأى البوري، أن الجرائم التي ظهرت إلى العلن ليست سوى نتيجة لوجود غنيمة مالية ضخمة، يمكن تحقيقها عبر استغلال الفجوات بين أسعار الصرف، سواء في الاعتمادات المستندية المزورة أو عمليات الاختلاس وتغيير الحسابات أو شراء البطاقات باستخدام ودائع العملاء. وأضاف أن الأرباح الكبيرة الناتجة عن فروقات الأسعار شجّعت على تشكيل شبكات داخلية تتعاون على ارتكاب هذه الجرائم، مؤكداً أن أي عملية اختلاس أو تزوير لا يمكن أن تتم بمفردها دون وجود مساهمين من داخل المصرف.

وأشار إلى أنه رغم وجود ثغرات واضحة في الأنظمة الرقابية، فإن الدافع الرئيسي لانتشار هذه الجرائم يظل مرتبطاً بـ “ارتفاع العائد مقابل ضعف العقوبة”، وهو ما جعل التربح غير المشروع يشكل حافزاً قوياً للمتورطين. مؤكدا أن هذه الأوضاع لم تقتصر آثارها على العملة الأجنبية فحسب، بل امتدت لتؤثر على قيمة الدينار الليبي ذاته، مؤكداً أن السياسات السابقة للمصرف المركزي كانت سياسات خاطئة أسهمت في خلق تلك اختلالات وأدت إلى تكرار جرائم التزوير والاختلاس داخل المصارف.

وبيًن إن ضعف أنظمة الحوكمة والرقابة الداخلية داخل المصارف، إضافة إلى ضعف الرقابة الخارجية التي يمارسها المصرف المركزي، أسهم بشكل مباشر في تفشي المخالفات المالية وتزايد الجرائم المصرفية خلال السنوات الأخيرة.

وفي سياق متصل، استغرب البوري، صمت المصرف المركزي وغياب أي بيان رسمي يوضح موقفه من القضايا المثارة مؤخراً، مؤكداً أن عدم التفاعل مع ما يجري يزيد من حيرة المتابعين. وأشار إلى أن الغرامات التي يفرضها المصرف المركزي على بعض المصارف زهيدة مقارنة بحجم المخالفات التي تصل قيمتها إلى مئات الملايين، ما يفقد العقوبات فعاليتها.

وتابع: ما يحدث يعكس حاجة ملحّة لإعادة النظر في منظومة الرقابة والحوكمة، لضمان وقف النزيف المالي وحماية النظام المصرفي من مزيد من الفساد والانهيار.

وقال البوري، إن الحديث عن الإجراءات العاجلة لوقف النزيف المالي داخل المصارف، يجب أن يبدأ أولاً بفهم موقع الخلل الحقيقي، مشيراً إلى أن دور المصارف التجارية تقلّص بشكل كبير منذ عام 2015، حيث تحولت ـ على حد وصفه ـ إلى ساعي بريد، أكثر من كونها مؤسسات مالية فاعلة.

وأوضح البوري، أن وقف بيع النقد الأجنبي من قبل المصارف التجارية ونقل صلاحيات الموافقة على بيع العملة والاعتمادات المستندية بالكامل إلى المصرف المركزي، هو ما غيّر جوهر العملية المصرفية في البلاد. مشيرا إلى أن الفساد موجود داخل المصارف، لكنه شدد على أن القرارات الحاسمة المتعلقة بالعملات الصعبة والاعتمادات تتم حصرياً داخل لجان تابعة للمصرف المركزي، وليس عبر المصارف نفسها.

وأضاف أن المصارف قبل عام 2010 كانت تعمل وفق آلية واضحة، حيث تطلب العملة الصعبة وتبيعها للعملاء بنسبة ربح محددة وتحت رقابة المصرف المركزي، أما بعد 2015، فقد أصبحت المصارف مجرد وسيط يستلم مستندات الزبائن ويرفعها إلى لجان الاعتمادات داخل المصرف المركزي التي تتولى حصرياً الموافقة أو الرفض.

ولفت البوري، إلى أن تحميل المصارف كامل المسؤولية في الوقت الراهن أمر غير دقيق، لأن المصرف التجاري لا يملك سلطة فحص السلع أو التأكد من نوعية البضائع الواردة، قائلاً: “المصرف يتعامل مع مستندات فقط، أما ما يدخل في الحاويات فهو مسؤولية الجمارك والجهات الرقابية الأخرى”.

وختم البوري، بأن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من داخل المصارف وحدها، بل يتطلب أولاً إصلاحاً على مستوى الجهة الرقابية العليا ـ المصرف المركزي ـ باعتباره صاحب القرار الفعلي في منظومة الاعتمادات والعملة الصعبة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى