ليبيا

الشحاتي: معالجة أزمة الوقود في ليبيا تتطلب قرارات جريئة

قال الخبير في مجال الاقتصاد والنفط، محمد الشحاتي، إن معالجة أزمة الوقود في ليبيا، تتطلب قرارات جريئة، تبدأ من إصلاح منظومة التمويل، مرورًا بمواجهة التهريب، وصولًا إلى إصلاح دعم المحروقات ضمن مسار تدريجي.

وأوضح الشحاتي في مقابلة مع قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24” أن أزمة انقطاع الوقود وتذبذب إمداداته في ليبيا باتت ظاهرة متكررة، تستدعي معالجة جذرية، لافتًا إلى أن دولًا أخرى لا تشهد مثل هذه التقلبات رغم ظروفها المتفاوتة.

ورأى أن مشكلة التمويل تمثل أبرز أسباب تأخر وصول الوقود، إذ توقف العمل بالآلية السابقة، التي كانت تعتمد على قيام المؤسسة الوطنية للنفط باستيراد الوقود وتسوية الجوانب المالية لاحقًا مع الدولة. ومع توقف عدد من المصافي الليبية منذ سنوات، ارتفع الاعتماد على الاستيراد الخارجي، ما وضع ضغطًا متزايدًا على التحويلات المالية المطلوبة، بحسب الشحاتي مشيرا إلى أن المصرف المركزي يواجه صعوبة في توفير التحويلات في مواعيدها، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تأخر الشركات الموردة في التنفيذ.

وشدد الشحاتي، على أن ضعف القدرة التخزينية يمثل أيضا، عاملًا حاسمًا في تفاقم الأزمة، إذ تعمل ليبيا بخزانات قديمة جدًا. مبينا أن القدرات التخزينية التي بلغت قبل عام 2010 نحو “10 – 12” يومًا من الاستهلاك العادي، قد انخفضت اليوم إلى خمسة أيام أو أقل، الأمر الذي يجعل أي تأخير في التمويل أو الأحوال الجوية، أو حركة السفن سببًا مباشرًا في حدوث الاضطرابات.

وحول مطالبات الشفافية والإعلان اليومي عن الكميات المتوفرة، رأى الشحاتي، أن نشر البيانات لا يعالج المشكلة، فيما المواطن يريد فقط أن يجد الوقود متوفرًا في المحطات، مؤكدًا أن جوهر الأزمة يكمن في التخزين والتوزيع وسعة الخزانات وليس في الإعلان.

ولفت إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب استثمارات حكومية مباشرة لرفع القدرة التخزينية، إضافة إلى ضمان تمويل منتظم لعمليات الاستيراد، خاصة مع توقف مصفاة رأس لانوف وحاجة البلاد لاستيراد كميات كبيرة من الديزل من الخارج.

ولم ينف الشحاتي، وجود عمليات تهريب للوقود، لكنه أكد أن معظم الكميات تُستهلك داخل البلاد، وأن حجم التهريب ليس كما يُصوَّر. مبينا أن الفارق الكبير بين سعر لتر البنزين في ليبيا، الذي لا يتجاوز خمسة سنتات، وبين سعره في الدول المجاورة، يجعل تهريب الوقود مغريًا، لكنه شدد في المقابل على أن لا شيء يضاهي ربحية تجارة المخدرات، موضحًا أن تهريب الوقود عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر رغم هامش الربح الناتج عن فارق السعر.

وعزا جزءًا كبيرًا من الفارق السعري إلى انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار، إلا أن المواطن الليبي لا يلمس هذا الفارق بالطريقة نفسها، لأنه يقيس حسب مستوى الدخل المحلي. موضحا أن متوسط دخل الموظف في ليبيا لا يتجاوز 150 دولارًا شهريًا، وهو مستوى يقع تحت خط الفقر، ما يجعل الحديث عن تحرير أسعار الوقود أو رفع الدعم غير واقعي في الظروف الحالية.

وأكد الشحاتي، أنه، ورغم عدم تأييده لبقاء سعر البنزين عند مستويات منخفضة جدًا، فإن رفع الدعم بشكل مباشر سيؤدي إلى أضرار كبيرة للفئات الضعيفة، إذ سيترتب عليه موجة تضخمية وارتفاع واسع في أسعار السلع، الأمر الذي سيدفع أغلب الأسر لتوجيه معظم دخلها نحو شراء الوقود بدل الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والتعليم.

وأوضح أن إصلاح منظومة الدعم، يجب أن يتم بخطوات تدريجية، وأن يترافق مع إنشاء شبكة أمان اجتماعي قادرة على حماية ذوي الدخل المحدود، أو استبدال الدعم العيني بدعم نقدي مدروس، شريطة ألا يفاقم ذلك الأعباء المعيشية للمواطنين.

وتساءل الشحاتي، عن استمرار ظاهرة نقص الوقود في ليبيا مقارنة بالدول المجاورة، قائلاً إنه من غير المعقول أن تتكرر الطوابير والأزمات في بلد نفطي، بينما لا تظهر مثل هذه المشاهد في تونس أو النيجر أو تشاد. داعيا إلى التركيز على رفع القدرة التخزينية ومنع الاضطرابات المتكررة في الإمدادات، بدلًا من الاختزال في الحديث عن الأسعار.

وأشار إلى أن سعر اللتر البالغ ثلاثة أو خمسة سنتات قد يبدو منخفضًا، لكنه يصبح منطقيًا عند مقارنته بدخل المواطن الذي لا يتجاوز 100 إلى 150 دولارًا شهريًا، متسائلًا: “كيف يمكن لمواطن بهذا الدخل أن يتحمل تكلفة الوقود إذا رُفع الدعم؟”.

وشدد الشحاتي، على أن الخطوة الأولى تتمثل في ضمان التمويل المنتظم لاستيراد الوقود، خاصة مع توقف المصافي المحلية ونقص مادة الديزل، ما يرفع حجم الاستيراد من الخارج. وقال إنه من واقع تجربته، فإن المصرف المركزي، لا يلتزم دائمًا بدفع الدفعات الخارجية في مواعيدها، رغم أن ذلك أمر ضروري وحيوي.

ودعا إلى الالتزام الصارم بالمدفوعات وفق البرامج الزمنية المحددة لتجنب أي تعثر في الإمدادات. مؤكدا أن ملف التهريب مسؤولية القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الضبطية، لأن المواطن غير معني بمعرفة تفاصيل ما إذا كان هناك تهريب أم لا، بل يهمه فقط توفر الوقود واسطوانات الغاز. وأضاف أن منع التهريب ضرورة لضمان عدم استنزاف الإمدادات التي يفترض أن تصل للمستهلكين.

واعتبر الشحاتي، على أن زيادة القدرة التخزينية لشركة البريقة خطوة مركزية لمنع الاختناقات المتكررة، مشيرًا إلى أن رفع هذه القدرة سيُمكّن الدولة من امتصاص أي تأخير في عمليات الاستيراد أو التوزيع، ويقلل من فرص حدوث أزمات مفاجئة.

وفي ختام حديثه، شدد الشحاتي، على ضرورة الاعتراف بأن استمرار هذه الأزمة غير منطقي، لافتًا إلى أن دولًا غير نفطية مثل تشاد والنيجر ومالي لا تشهد مثل هذه الطوابير، بينما تعاني ليبيا منها سنويًا. وأضاف أن وضع حد لهذه الظاهرة أمر حتمي إذا أرادت الدولة استعادة استقرار قطاع المحروقات وتقديم خدمات لائقة لمواطنيها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى