بسيكري: الفساد تحوّل إلى منظومة داخل مؤسسات الدولة وسط غياب الرقابة

أكد مدير المركز الليبي للدراسات ورسم السياسات السنوسي بسيكري، أن الفساد في ليبيا لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل تحول إلى منظومة مترسخة داخل مؤسسات الدولة، موضحاً أن ما يحدث هو “واقع لا افتراء فيه”، وأن مظاهر الفساد باتت مرتبطة بمسؤولين كبار يتصرفون خارج إطار القواعد والضوابط الإدارية.
وأشار بسيكري في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”رصدتها الساعة24 إلى أن إحدى أبرز الإشكاليات التي ساهمت في تفشي الفساد هي الجهات المكلفة بمكافحته والتي تعاني من اختلالات عميقة، بل ربما تلبست ببعض ممارسات الفساد، على حد وصفه، لافتاً إلى أن هذه الحقيقة لا يمكن تجاهلها رغم صعوبة الحديث عنها بالتفصيل.
ولفت إلى أن ثقافة الفساد أصبحت سلوكاً سائداً وموروثاً داخل المؤسسات، حيث يمارس بعض كبار المسؤولين امتيازاتهم بصورة علنية، معتبرين ذلك جزءاً من طبيعة مناصبهم، بينما تُعد هذه الممارسات في جوهرها أشكالاً واضحة للفساد الإداري والمالي.
وأوضح أن هذا السلوك يمتد من أعلى الهرم القيادي إلى مستويات متعددة في مختلف القطاعات.
وأضاف أن غياب آليات مكافحة الفساد عن المؤسسات المختصة يمثل أحد عوامل تعميق الأزمة، مشيراً إلى أنه لم يلمس خلال تصريحات المسؤولين عن هذه المؤسسات ما يدل على تبنيهم لمبدأ الشفافية، رغم أنه “مبدأ أصيل” يجب توفره في تلك المؤسسات.
وتابع: “لم نسمع من أولئك المسؤولين أرقاماً أو بيانات دقيقة تحدد حجم المشكلة، أو أسبابها أو طرق معالجتها، ما يعكس ـ حسب قوله ـ غياباً شبه تام لمفهوم الشفافية.
ورأى بسيكري، أن افتقار الجهات المعنية بمكافحة الفساد للفهم المنهجي والأدوات الأساسية اللازمة للقيام بمهامها هو ما يجعلها عاجزة عن مواجهة الظاهرة، مؤكداً أن هذه الجهات يُفترض أن تكون “رأس الحربة” في التصدي للفساد.
وأرجع بسيكري انتشار ظاهرة الفساد إلى عاملين أساسيين هما: تورط مؤسسات تنفيذية عليا في الممارسات الفاسدة، وعجز أجهزة الرقابة عن أداء دورها كما ينبغي. مبيناً أن هذه الأجهزة انشغلت خلال السنوات الماضية بصراعات داخلية حول الشرعية، وهو ما أصاب عملها بالشلل، مؤكداً أن ذلك شمل هيئات مثل الرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي استمرت خلافاتها لفترات طويلة ولا يزال بعضها قائماً حتى اليوم.
وقال: إن استمرار هذه الأوضاع يطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية مكافحة الفساد في ظل مؤسسات مضطربة ومختلة وظيفياً، بينما يستمر الفساد في التغلغل نتيجة غياب المحاسبة وتراجع دور الجهات الرقابية. وقدّم بسيكري توضيحاً حول ملاحظاته المتعلقة بغياب الشفافية في المؤسسات المسؤولة عن مكافحة الفساد، موضحاُ أن الشفافية ليست مجرد شعار، بل ثقافة قائمة على وضوح الإجراءات والنظم داخل المؤسسة.
وبينّ بسيكري، أن الفساد في ليبيا تكرس عبر عقود نتيجة طبيعة النظام السابق والاختلالات التي أصابت مؤسسات الدولة، ما أدى إلى نشوء بيئة سمحت بانتقال الفساد من المستويات العليا إلى مستويات متعددة داخل المجتمع. لافتاً إلى أن ظاهرة الفساد لم تعد يُنظر إليها باعتبارها سلوكاً مداناً، بل تحولت لدى البعض إلى نوع من “الشطارة والفهلوة”، حيث أصبح الموظف الذي يحقق مكاسب شخصية أو يراكم ثروة بطرق غير مشروعة يوصف بأنه “شاطر”، وهي عبارات باتت شائعة في الشارع الليبي. واستشهد بأحاديث استمع إليها شخصياً من أفراد متورطين في الفساد يرون في ذلك تعويضاً مشروعاً عمّا يعتبرونه حقاً ضائعاً.
وأضاف أن السلطات المتعاقبة خلال السنوات العشر الأخيرة مارست الفساد بشكل “مخيف ومقلق”، مستخدمة المال والسلطة لكسب ولاءات مجموعات مسلحة وكيانات اجتماعية، وهو ما ساهم في توسيع شبكات الفساد وترسيخها.
وأشار إلى جانب خطير في هذه المنظومة، يتمثل في تورط البنية الاجتماعية نفسها في حماية الفساد، حيث تدافع بعض القبائل والمناطق عن مسؤولين أُقيلوا بسبب شبهات فساد، إلى حد اتخاذ مواقف تهدد الأمن العام، باعتبار أن الإقالة “استهداف لابن المنطقة”. مؤكدا أن هذا السلوك يعكس اختلالاً عميقاً في المعايير الاجتماعية، وتحول الجهوية والقبلية إلى أدوات لدعم الفساد بدل رفضه.
وأردف أن المنظومة السياسية غارقة في الفساد بشكل كبير، والمنظومة الاجتماعية باتت أحد محركات استمراره، في ظل تراجع دور الدولة وتآكل الثقة في الأجهزة الرقابية، الأمر الذي جعل الفساد منتشراً ومحمياً على مستويات متعددة.
وكشف عن مؤشرات خطيرة تضمنها التصنيف الدولي للجرائم الاقتصادية لعام 2025، والذي وضع ليبيا ضمن أكثر عشر دول في العالم عرضة للجرائم المالية. وأوضح أن ليبيا سجلت مستوىً مرتفعاً للغاية في عمليات غسيل الأموال، وأصبحت ممراً محورياً للأموال المشبوهة، وهو ما يعكس ـ بحسب قوله ـ تورط شبكات مرتبطة بمتنفذين داخل مؤسسات الدولة.
وذكر أن استمرار هذا الوضع خلال السنوات المقبلة ينذر بخطر أكبر، معتبراً أن بقاء الواقع الحالي من مستوى الانكشاف المالي من دون إصلاح، فإن الخمس سنوات المقبلة ستجعل الوضع أكثر تعقيداً، وربما غير قابل للسيطرة.
ولفت إلى أن المؤشر الدولي لسيادة القانون ـ وهو مؤشر أساسي في مراحل الانتقال الديمقراطي ـ يرتبط بشكل مباشر بمؤشر مدركات الفساد، مؤكداً أن تدني سيادة القانون في ليبيا ينعكس تلقائياً في تفاقم الفساد واستمراره.
ورأى أن مؤسسات إنفاذ القانون تعاني من ضعف واضح، لدرجة أن النائب العام أعلن عن وجود 56 ألف حكم قضائي غير منفذ في طرابلس وحدها، بل إن بعض الصادرة بحقهم أحكام قضائية تمت ترقيتهم إلى مناصب عليا.
وأوضح أن هذه الأرقام تفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول حجم الخلل على مستوى الدولة كلها، مشيراً إلى أن الممارسات الإدارية الحالية تسهم في تكريس الفساد والفوضى بدلاً من الحد منهما.
ونوه إلى أن مكتب النائب العام رصد أيضاً أكثر من 43 ألف قيد عائلي مشكوك في صحتها، مع احتمالية كبيرة لتزوير أرقام وطنية، ما يعكس تفشّي الفساد في المستويات الإدارية الدنيا أيضاً، وليس فقط في قمة الهرم السياسي.
وأكد أن تفاقم الظاهرة يعود إلى غياب خطة استراتيجية واضحة لمكافحة الفساد، وغياب الأدوات التنفيذية القادرة على تطبيق أي خطة محتملة، إضافة إلى بيئة تسمح باستمرار التجاوزات.
وفي سياق الحديث عن الحلول، نقل بسيكري رسالة مفادها أن “تنظيف السلم يبدأ من الأعلى”، مشيراً إلى أن تجارب دولية أثبتت أن مكافحة الفساد تتطلب البدء من القيادات العليا. واستشهد بتجربة بلغاريا في مطلع الألفية، حيث انطلقت مبادرة قومية لمكافحة الفساد بجهود منظمات المجتمع المدني ورجال أعمال وطنيين، الذين أدركوا خطر الفساد على مستقبل بلادهم، فأسسوا مظلة مجتمعية واسعة قادت تحريك الرأي العام ودفع الحكومات إلى التواؤم مع مطالب الإصلاح، ما أدى إلى تحقيق نتائج مهمة في مواجهة الفساد.
وشدد على أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تجاوز الأزمات، مشيراً إلى أن تجربة رواندا تمثل نموذجاً بارزاً للانتقال من الانهيار إلى بناء دولة قوية ومستقرة. وقال إن رواندا، التي شهدت خلال مئة يوم فقط مقتل ما يقارب مليون شخص في صراع عرقي دموي، تمكنت لاحقاً من إعادة بناء مؤسساتها وإرساء نموذج تنموي متقدم بفضل وجود قيادة ذات رؤية واضحة ودعم دولي متماسك.
وأوضح بسيكري أن التجربة الرواندية، التي ركزت على المصالحة الوطنية والرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تُظهر أن الدول يمكن أن تنتقل من أسوأ مراحل الانهيار إلى مسارات النهوض، شريطة توفر قيادة تمتلك مشروعاً استراتيجياً وإرادة للخروج من حالة البؤس.
وبيّن أن أحد أهم شروط نجاح أي مشروع إصلاحي هو وضع الرجل المناسب في قمة كل مؤسسة، سواء كانت قضائية، أو تنفيذية، أو خدمية، أو اقتصادية، وشدد على أن نجاح الإصلاح يتطلب بالتوازي استراتيجية وطنية واضحة وتفعيل دور المجتمع المدني، الذي وصفه بأنه “روح التغيير وصوته”.









