بويصير: متفائل بمحاسبة الفاسدين لأن المواطن الليبي أصله نظيف وشريف

قال الكاتب الصحفي محمد بويصير، أن دخوله مجال العمل في ليبيا بدأ منذ أوائل السبعينات، مشيرًا إلى أن أولى مواجهاته مع الفساد كانت محدودة وغير واسعة الانتشار. مشيراً إلى أن الحياة الاقتصادية في تلك الفترة كانت مستقرة، حيث كان معظم الموظفين يعيشون حياة جيدة، مستفيدين من وظائفهم الرسمية، والدخل الإضافي من العقارات أو الزراعة أو التجارة.
وأوضح بويصير في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها الساعة24 أن الإجراءات الحكومية كانت تسير بسلاسة دون الحاجة إلى رشاوي، مستشهدًا بحادثة تركيب عداد كهرباء في طرابلس عام 1974، حيث تمت العملية بشكل طبيعي دون أي مطالبات مالية. وأضاف أن مفهوم الإكراميات لم يكن موجودًا آنذاك، وكانت الحقوق المالية تُصرف كاملة دون تدخلات.
ولفت بويصير إلى أن الوضع تغيّر لاحقًا مع تصاعد الفساد المرتبط بالسلطة، حيث توسع الاستبداد وازدادت السيطرة على الموارد، ما أدى إلى انخفاض دخول الموظفين وظهور الحاجة إلى وسائل غير قانونية لتأمين الاحتياجات اليومية. وأوضح أن انخفاض المرتبات وتحكم السلطة في الموارد دفع المواطن الليبي إلى دفع إكراميات أو البحث عن بدائل لتأمين حياته. مشيرا إلى أن غياب المحاسبة وانتشار الغموض في العقود والصفقات العامة ساهم في تعزيز الفساد، موضحًا أن الفساد كان نتيجة مباشرة للاستبداد، واستمر في الانتشار بعد انشطار السلطة.
واعتبر أن الفساد لم يعد مجرد قضايا مالية، بل أصبح أداة لتثبيت السلطة السياسية، مع ما صاحبه من ضعف في القوانين والمحاكم، ما انعكس سلبًا على المجتمع والاقتصاد الليبي.
ورأى بويصير، أن الفساد في ليبيا كان نتيجة طبيعية للاستبداد منذ عام 1977، عندما أصبحت السلطة مُرّكزة في يد واحدة، مبيناً أن الدولة في شكلها القديم كانت تمثل “عائلة حاكمة”، مما حرَم الشعب من حقوقه الأساسية، وجعل الموارد العامة ملكًا للحاكم، وليس للمواطنين.
وأشار إلى أن غياب الشفافية والمساءلة حول الإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى التحكم الفردي في توزيع الموارد، ساهم في ترسيخ ثقافة الفساد. وقال إن الوزراء في تلك الفترة لم يعتمدوا على رواتبهم الرسمية، بل على الأموال العامة، موضحًا أن هذا النظام كان يتيح شراء الولاءات وضمان الدعم السياسي.
ولفت إلى أن الفساد تفاقم بعد عام 2011 نتيجة انقسام الدولة، حيث أصبح الاقتصاد في ليبيا يُدار كـ “اقتصاد الجريمة”، مع ضبابية كاملة بين الملكية العامة والخاصة، وتحويل بيروقراطية الدولة إلى أدوات لإصدار القرارات دون مساءلة أو شفافية.
وأكد أن هذه الظاهرة ليست محصورة في ليبيا فقط، بل هي نموذج متكرر في العديد من الدول النامية، حيث يؤدي الاستبداد إلى استغلال المال العام كأداة للحفاظ على السلطة، ويحول القانون إلى مجرد شكل بدون تأثير فعلي على الحاكم، ما يجعل الفساد أحد النتائج المباشرة للاستبداد في هذه الدول. وبيَن أن مكافحة الفساد تتطلب إرادة سياسية حقيقية، مشيرًا إلى أن دولًا عديدة حول العالم، مثل رواندا وسنغافورة، تمكنت من الحد من الفساد بفضل تبني استراتيجيات واضحة وقوانين رادعة.
وأوضح أن التجربة الرواندية بدأت عام 1994، حيث اعتمدت رواندا على مبدأين أساسيين: الأول مكافحة مواقع الفساد قبل ملاحقة الفاسدين، من خلال إدارة المال العام والخاص بطريقة تمنع النهب، والثاني زيادة دخل المواطن عبر الإطار القانوني والعمل الاقتصادي المشروع لتعويض أي حاجة للفساد.
وتابع: هذه التجربة تكللت باسترداد جزء من الأموال المنهوبة، وفق تقارير الأمم المتحدة، وهو ما حدث أيضاً في تجربة سنغافورة والبرازيل كمثال على نجاح مكافحة الفساد عند وجود إرادة سياسية واضحة.
وأردف: الوضع في ليبيا مختلف تمامًا، حيث أصبح الفساد جزءًا من آلية الحكم بعد 2011، وارتبط بالاستبداد وغياب الشفافية، ما أدى إلى تأثير مباشر على حياة المواطنين، خاصة في شكل الرواتب المتأخرة، وسوء الخدمات العامة، والدواء المفقود الذي أودى بحياة العديد من الليبيين، إضافة إلى تدهور التعليم والبنية التحتية، كما ظهرت مشاكل في الفيضانات بسبب سوء إدارة الموارد. مؤكدا أن الفساد يدمّر الأسس الحقيقية لبناء المجتمع، حيث تُهمش الكفاءة والجهد، ويصبح الأفراد الأثرياء عبر الولاءات السياسية وليس عبر العمل أو الدراسة.
وأضاف أن هذه الظاهرة أدت إلى تحول المجتمع الليبي نحو شرعنه الجريمة والفوضى الاقتصادية، وخلق “خلايا سرطانية” من الفساد تنشر قيمًا سلبية بين الناس، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان ليبيا لمواردها الكبرى لصالح أطراف خارجية أكثر قدرة على إدارتها.
وشدد على أن مكافحة الفساد في ليبيا تتطلب وجود قيادة وطنية تحرص على المال العام وتضع نظامًا يحد من التجاوزات، مؤكدًا أن الفساد ليس مجرد أزمة مالية، بل تهديد لمستقبل الدولة والمواطن على حد سواء.
وأعرب محمد بويصير، عن تفاؤله بإمكانية محاسبة الفاسدين في ليبيا قريبًا، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولًا سواء على مستوى البلاد أو المجتمع الدولي.
وبينّ بويصير أن ليبيا تلعب دورًا مهمًا في محيطها الإقليمي والعالمي، ما يجعل من الضروري معالجة الفساد والممارسات غير القانونية التي استمرت لعقود. معتبراً أن المواطن الليبي في أصله نظيف وشريف، حيث تربت الأجيال السابقة على الأمانة والصدق، بعكس “القشرة الصغيرة من الناس” التي استفادت من الاستبداد والفساد، والتي ورثت نظام السيطرة على أموال الدولة بعد وفاة القذافي.
وختم بويصير تصريحاته بالتعبير عن أمله في أن يرى الليبيون قريبًا ضوء العدالة ومحاسبة المجرمين، مؤكدًا أن الفساد لن يستمر، وأن المجتمع الليبي قادر على استعادة قيم النزاهة والأمانة التي لطالما ميزت شخصيته الوطنية.









