غيث: التحول نحو اقتصاد إنتاجي أصبح خياراً لا مفر منه

أكد مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقًا، أن الفرصة لا تزال متاحة لتعزيز الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا، مشددًا على أن ذلك يتطلب وجود حكومة واحدة قادرة على توجيه الإنفاق وتقليص أو إلغاء بعض بنود الميزانية، مشدداً على أن تنويع الإيرادات أمر ضروري، لكنه لن يتحقق في الفترة القصيرة، معتبراً أن التخطيط متوسط المدى، الذي يمتد لحوالي خمس سنوات، سيكون الأساس لتحقيق هذه الغاية.
وقال غيث في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إن اعتماد ليبيا على مصدر واحد للإيرادات وهو النفط قد أضر بالمالية العامة واستدامة المالية للدولة، نتيجة عدم قدرة الدولة على التحكم في هذا المورد من ناحية الكمية أو السعر، مشيرًا إلى انخفاض السعر إلى 30 دولارًا في عام 2013 وتراجع الكميات المنتجة وفقًا للطلب.
وأكد غيث، أن ليبيا لم تتبع سياسة مالية واضحة على مدى السنوات الماضية، منذ عام 1969 وحتى اليوم، وأن المسؤولين عن إدارة الدولة لم يقدروا الخطر المتمثل في عدم وجود سياسة مالية واضحة، معتبراً أن الانفاق مستمر طالما كان النفط يتدفق.
وأضاف أن التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي لم تكن مفاجئة، وأن الإصلاح المالي يجب أن يكون البداية لأي إصلاحات أخرى في الاقتصاد، مثل التعليم والصحة، مؤكدًا أن عدم القدرة على تدبير الموارد المالية يجعل أي إصلاحات غير مجدية. وأشار إلى أن ليبيا لم تستخدم أدوات السياسة المالية مثل الضرائب والجمارك لتنويع مصادر الإيرادات المحلية، معتبراً أن الموارد المحلية كان يجب أن تكون محددة لتخفيف الاعتماد على النفط.
ورأى غيث، أن هناك فرصة للاستفادة من الاستثمار الأجنبي، مستشهدًا بالمزايا التنافسية للبلاد، خاصة في النفط وموارد أخرى لم تُستغل بعد مثل الطاقة المتجددة والرمال وبعض المعادن، مؤكدًا إمكانية تكرير النفط محليًا لتحقيق قيمة أعلى للبرميل بين 550 إلى 700 دولار بدل تصديره خامًا، مشددًا على أن كل هذه الإصلاحات تتطلب إرادة سياسية تمثلها سلطة واحدة قادرة على تنفيذها.
وقال إن المصادر الطبيعية المستقبلية، بما فيها المعادن غير المستكشفة، تحتاج بالدرجة الأولى إلى استقرار سياسي وحكومة موحدة لضمان قدرة المستثمرين على حماية استثماراتهم، مؤكدًا أن هذه المشاريع تتطلب استثمارات ضخمة قد لا تستطيع الدولة الليبية تنفيذها بمفردها، لذا يجب ترك الأمر للمستثمرين المحليين والأجانب.
وأشار إلى فرص تكرير النفط محليًا بالشراكة مع مستثمرين أجانب، والاستفادة من الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء وتصدير الفائض، موضحًا أن عدم وجود مبادرات منذ عام 2011 يعكس التبعية على تصدير النفط ودفع المرتبات والسلع، وهو أسلوب وصفه بالحياة الاستهلاكية وليس الاقتصادية.
وحسب غيث، فإن تحسين مستوى المعيشة يتطلب زيادة الموارد والتنمية البشرية، مشددًا على أهمية فتح أبواب التمويل أمام الشباب والخريجين لتمكينهم من إنشاء مشاريعهم الخاصة، واعتبر أن الانتقال التدريجي من الوظيفة العامة إلى القطاع الخاص عبر خطة تمتد 15 إلى 20 سنة سيخفف العبء على الميزانية.
ولفت إلى أن تشجيع القطاع الخاص يتطلب تسهيلات قانونية وتمويلية، بما في ذلك تسجيل الملكيات العقارية، وتأهيل المهارات المهنية عبر الاستفادة من خبرات دول مثل كوريا الجنوبية في التدريب على مختلف المهن والصيانة. مؤكدا أن دعم الابتكار الشبابي وتوفير التمويل للمشاريع الصغيرة هو أساس لخلق ثقافة عمل جديدة، بعيدًا عن الاعتماد على الدولار أو السوق السوداء، بما يسهم في إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأشار غيث، إلى أن الموارد المالية الحالية لا يتم تحصيلها بشكل كافٍ، داعيًا إلى تغيير إجراءات التحصيل، خاصة فيما يتعلق بالضرائب والجمارك، مستشهدًا بممارسة دول أخرى التي تعتمد تحصيل الجمارك والضرائب عند المنبع.
ولفت إلى أن الوضع الحالي، الذي يشمل منح اعتمادات بقيمة حوالي 9 مليارات إضافة إلى استيراد التجار الصغار والجزء الباقي من السوق السوداء، يؤدي إلى تحصيل جمارك منخفضة تصل إلى 270 أو 300 مليون، وهو ما وصفه بأنه إجراء غير سليم وغير مناسب. وبينّ أن فكرة تحصيل الجمارك والضرائب كانت مطروحة منذ عام 2013، مشيرًا إلى أن دولًا عديدة اتبعت هذا الأسلوب لضمان كفاءة التحصيل وتحسين الإيرادات المالية.









