معيوف: عقد الحوار المهيكل داخل ليبيا يعكس استقلاليته

أكد الأكاديمي والناشط السياسي أحمد معيوف أن عقد الحوارات واللقاءات السياسية داخل ليبيا يحمل دلالات رمزية وسياسية بالغة الأهمية، مشيراً إلى أن استضافة طرابلس لجلسات الحوار المهيكل تُعد خطوة إيجابية، كون العاصمة تجمع مختلف الأطراف الليبية تحت سقف واحد.
وأوضح في مداخلة على قناة “الوسط” رصدتها الساعة24، أن انعقاد اللقاءات السياسية داخل البلاد يمثل فرصة مهمة بعد سنوات من الاجتماعات الخارجية التي كانت، وفق قوله، تخضع غالباً لضغوط الدول المضيفة، مما كان يثير شكوكاً حول مخرجاتها.
وبينّ معيوف أن اختيار طرابلس يعكس أيضًا رؤية المجتمع الدولي الذي بات يعتبر العاصمة مدينة آمنة وقادرة على احتضان اجتماعات رفيعة المستوى – بحسب تعبيره.
وقال إن هذا الاجتماع يُعد من أهم اللقاءات التي تجمع الأطراف الليبية، باستثناء الاجتماع الذي كان مقرراً في أبريل 2013 ولم يُعقد، لافتًا إلى أنه يضم الطيف الشعبي لا الرسمي، وهو ما يمثل رسالة واضحة بفشل الأجسام السياسية القائمة في تحقيق أي تقدم يُذكر على المسار السياسي.
وأشار معيوف إلى أن هذا المسار الشعبي البديل تأخر كثيرًا، لكنه يأتي اليوم ليقدم نهجًا مخالفًا للمسارات السابقة التي اعتمدت على قوى الأمر الواقع. وأكد أن الأزمة الليبية تتطلب العودة إلى الليبيين أنفسهم، لا إلى الأجسام السياسية القائمة التي أثبتت فشلها في تقديم حلول أو المساهمة في إنهاء الانسداد السياسي.
وأوضح أن المشاركين في هذه الاجتماعات يمثلون “المصلحة الحقيقية للدولة”، بعكس المؤسسات الحالية التي وصفها بأنها تسعى في أي حوار إلى تحقيق مصالحها الخاصة، وهو ما ظهر في محطات عديدة خلال السنوات الماضية.
واعتبر معيوف أن البعثة الأممية تتجه اليوم نحو مسار مختلف يقوم على استبعاد الأجسام السياسية القائمة، مشيرًا إلى أن مخرجات هذه اللقاءات، التي ستتواصل كل أربعة أشهر وفق الخريطة الأممية، ستُحال في نهاية المطاف إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأضاف أن المجلسين، عجزا عن تمثيل إرادة الليبيين، وسيجدان نفسيهما تحت ضغط معنوي واضح أمام الرأي العام.
وتابع: هذه اللقاءات، حتى وإن لم تحقق نتائج نهائية، ستعكس على الأقل بصورة واضحة ما يريده المجتمع الليبي، وتفتح الباب أمام مسار بديل يتجاوز إخفاقات المرحلة السابقة.
ورأى معيوف، أن العملية السياسية في ليبيا تقوم أساساً على صدق النوايا، وهو عنصر لا يمكن التحقق منه إلا بعد ظهور نتائج الأعمال الموكلة إلى الأطراف المعنية. وأوضح أن شريحة واسعة من الليبيين لا تزال غير مدركة لطبيعة دور البعثة الأممية والحدود الضيقة لصلاحياتها، مشدداً على أنها “لا تمتلك مخالب” لتنفيذ ما تسعى إليه، وأن دورها يقتصر على التوفيق بين الفرقاء الليبيين.
وأشار معيوف إلى أن إقصاء البعثة عن مهمة جمع الأطراف الرئيسية أدى إلى تعثر مسار الحوار، رغم محاولات المبعوثين السابقين عقد حوار شامل رفضته الأطراف المعنية، ما دفع البعثة للجوء إلى “الخيار البديل” القائم على إشراك ممثلين عن الشعب.
ولفت إلى أن بعض الجهات السياسية في ليبيا تمارس ضغوطاً مباشرة أو غير مباشرة على مسار الحوار، بحكم أن بعض المتقدمين قد يُحسبون على أطراف معينة، إلا أن معيوف شدد على أن الترشح يجب أن يتم بصفة “مواطن ليبي”، وليس كممثل لأي جهة سياسية.
وأكد أن الضوابط التي وضعتها البعثة وجديتها في تطبيقها قد تسهم في خروج مخرجات “مقبولة”، رغم أن الحكم على نتائج الحوار قبل حدوثها يبقى خطوة “غير منصفة”، وتكشف حسابات بعض الأطراف التي تخشى فقدان مكاسبها السياسية.
وبيّن معيوف أن رفض بعض القوى للدور الأممي ينبع من خشيتها من أن تؤدي مخرجات الحوار إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي. معتبراً أن حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يأتي من الخارج، مشيراً بالقول: “لو كانت البعثة قادرة على حل الأزمة لفعلت ذلك منذ زمن.. الحل بيد الليبيين وحدهم”.
وتوقع أن تعمل بعض الأطراف على عرقلة الحوار، أو عدم الاعتراف بنتائجه إذا شعرت بأن التوصيات قد تهدد مكاسبها، مؤكداً أن الدعم الشعبي لمسار الحوار سيكون عاملاً حاسماً في نجاحه.
وشدد معيوف على ضرورة عدم تحميل البعثة الأممية مسؤولية إخفاقات العملية السياسية، معتبراً أن المؤسسات المهيمنة على المشهد منذ العام 2014 هي المسؤول الأول عن استمرار الأزمة، داعياً إلى دعم الحوار الوطني بكل السبل المتاحة.
وذكر معيوف أن البعثة الأممية لعبت دوراً محورياً في الدفع نحو توافقات، مستشهداً بعمل اللجنة الاستشارية، مبيناً أن ما نتج عنها رغم اعتباره “غير حاسم” من قبل البعض، إلا أن المبعوثة الأممية “هانا تيتيه” تناولت في الإحاطة التي قدمتها امام مجلس الأمن، النقاط الجوهرية التي خرجت بها، وحظيت هذه التوجهات بدعم المجلس ومعظم دول العالم. وأضاف أن الضغط الدولي لا يظهر دائماً في لحظته، لكنه قد يأتي في وقت مناسب لإجبار المعرقلين على الانخراط في العملية السياسية.
وشدد معيوف على أن الحوار يظل البديل الأفضل مقارنة باللجوء إلى السلاح، معتبراً أن الحوار هو السبيل الأقل كلفة والأكثر حفاظاً على وحدة المجتمع. ورأى أن استمرار النزاعات المسلحة لا يؤدي إلاّ إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير مؤسسات الدولة.
وتوقف معيوف عند مسألة الدستور المُنجز عام 2017، متسائلاً عن أسباب عدم طرحه للاستفتاء حتى اليوم، داعياً مختلف الأطراف إلى تقديم إجابات واضحة حول هذا التعطيل المزمن. وأوضح أن إحدى القضايا الأساسية في الحوار الدائر حالياً تتمثل في الحوكمة وبناء الدولة، بما يشمل تحديد طبيعة النظام السياسي، وتوزيع السلطة، وتنظيم العلاقة بين مراكز القرار، وهي عناصر تؤطرها الدساتير عادة حتى وإن لم يُستخدم مصطلح الدستور صراحة في العملية التفاوضية.
وختم معيوف حديثه بالقول: إن الثقة في الحوار ضرورة وطنية، وأن الدفع نحو تسويات سياسية عبر التفاوض هو الطريق الوحيد للوصول إلى نتائج أفضل، مؤكداً أن ليبيا بحاجة إلى إرادة حقيقية تتجاوز مصالح القوى القائمة، وتضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.









