اخبار مميزةليبيا

العبود: التوافق وحماية المصالح المشتركة هو الحل للنزاع في شرق المتوسط

أكد المختص في العلوم السياسية، أحمد العبود، أن مسار السياسة الخارجية الليبية في علاقاتها الدبلوماسية مع اليونان، يحتاج إلى مراجعة دقيقة، لافتًا إلى أن أثينا دائمًا ما تتجه لاتخاذ إجراءات اَحادية تهدف إلى فرض أمر واقع يخدم مصالحها – على حد تعبيره.

وأوضح العبود في تصريحاته لتلفزيون “المسار”، رصدتها الساعة24 أن اليونان أصدرت في العام 1998 تشريعًا يحدد مياهها الاقتصادية ويعتمد في آليات الترسيم على مبدأ الخط الوسط، رغم أن القانون الدولي يؤكد اعتماد خط التوازن العادل، وهو المبدأ نفسه الذي استندت إليه ليبيا في قضايا التحكيم المتعلقة بالجرف القاري مع كل من تونس ومالطا.

وأضاف العبود أن مصر حين وقّعت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان، اعتمدت على الخط الوسط المعدّل، استنادًا إلى طول الساحل المصري، وهو عامل رئيسي يقرّه القانون الدولي عند تقييم شرعية الترسيم.

وفيما يخص موقف الحكومة الليبية، أوضح العبود، أن حكومة أسامة حماد، شكّلت لجنة متخصصة لدراسة الاتفاقية البحرية، معتبرًا أن هذه هي المرة الأولى التي يتوافق فيها الموقف التفاوضي بين السلطات في شرق البلاد وغربها، ما يدفع مجلس النواب إلى التصديق على الاتفاقية في أول جلسة مقبلة، وشدد على أن الاتفاقية تحقق معادلة المصالح الوطنية العليا لليبيا، مؤكدًا أن أي إشكاليات يمكن حلّها عبر الحوار مع الدول المجاورة والمتشاطئة بحريًا.

وأشار العبود إلى عمق العلاقات الليبية – المصرية، التي وصفها بـ “الاستراتيجية”، مستشهدًا بحجم التبادل التجاري الكبير، والتعاون الأمني، والارتباطات التاريخية بين البلدين. وقال إن المصالح بين القاهرة وأنقرة بدورها تشهد تقاطعًا اقتصاديًا مهمًا، يتجلى في تبادل تجاري يتجاوز ثلاث مليارات دولار.

ورأى العبود، أن الاتفاقية البحرية ليست في صالح القاهرة إذا ما قورنت برؤية مصر للتحوّل إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الغاز. وأضاف أن هناك اتفاقيات أخرى موازية، من بينها الاتفاق الإسرائيلي – اليوناني بشأن ترسيم المياه الاقتصادية، فضلًا عن مشروع إسرائيلي مستقبلي لتصدير الغاز عبر اليونان، وهو ما يفرض – بحسب رأيه – ضرورة مراعاة معادلة المصالح المشتركة بين الدول المعنية عند صياغة أي ترتيبات إقليمية.

وسلط العبود، الضوء على نهج السياسة الخارجية اليونانية، مؤكدًا أن أثينا دأبت على اتباع خطوات أحادية في ملفات ترسيم المياه الاقتصادية، متذرعة بالقانون الدولي لخلق أمر واقع يخدم مصالحها. مشيرا إلى أن الخلافات بين اليونان وكل من ألبانيا وإيطاليا والتي انتهت بتوقيع مذكرة عام 1974 وتعديلها في 2020 تعكس طبيعة السلوك اليوناني في هذا الملف.

ورأى أن الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية، سيصبّ في مصلحة ليبيا، باعتبار أن المبدأ الحاكم لترسيم الحدود هو خط التوازن العادل وليس الخط الأوسط الذي تتمسك به اليونان. مستشهدا بمثال جزيرة “غوفاش” الصغيرة وغير المأهولة، ذات المساحة المحدودة، والتي لا يمكن – بحسب قوله – أن تُستخدم كخط أساس لترسيم الحدود البحرية مع دولة يمتد ساحلها لأكثر من 1900 كيلومتر، أي من بنغازي إلى امساعد بمسافة تتجاوز 550 كيلومترًا.

وانتقد العبود ما أسماها الازدواجية في السلوك الدبلوماسي اليوناني، موضحًا أن أثينا كانت قد أبدت مؤخرًا انفتاحًا على التواصل مع القيادة العامة والبرلمان الليبي، ووجّهت دعوة لرئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح لزيارة اليونان، قبل أن تصدر تصريحات اعتبرها غير محترمة، بحق المؤسسة التشريعية الليبية.

وأضاف أن القنصل اليوناني قدّم تفسيرات رسمية بأن تلك التصريحات غير صادرة عن الدولة اليونانية، إلا أن عدم نفي الخارجية اليونانية لها وضع الجانب الليبي في موقف محرج، خصوصًا وأن مجلس النواب شكّل لجنة لدراسة الاتفاقية ويعتمد نهج الشراكة والمصالح المتبادلة.

وذكّر العبود، بأن اليونان كانت قد عقدت جولة تفاوضية مع ليبيا في عام 2004 بشأن ترسيم المياه الاقتصادية، غير أن ليبيا رفضت المقترح اليوناني لاعتماده على تشريع محلي يفرض خط الوسط، وهو ما يتعارض مع قواعد القانون الدولي.

وأشار إلى أن رئيس الوزراء اليوناني وجّه دعوة لليبيا وتونس ومصر وتركيا لعقد لقاء رباعي حول المياه الاقتصادية، معتبرًا أن مصر هي الدولة الأكثر قدرة على لعب هذا الدور لعدة أسباب؛ من بينها مشروعها الطموح لتصبح مركزًا إقليميًا للغاز في شرق المتوسط، وعلاقاتها الاستراتيجية مع ليبيا وتقاربها مع تركيا، فضلًا عن امتلاكها اتفاقية قائمة مع اليونان.

وحذّر العبود، من أن أي خطوات اَحادية في الترسيم – كما حدث في 2020 حين قامت مصر بترسيم حدودها الاقتصادية منفردة – قد لا تخدم مصالح الدول المتشاطئة، مؤكدًا أن الحل الأمثل يكمن في مقاربة توافقية تحفظ المصالح المشتركة وتضمن احترام القانون الدولي.

وكشف عن المسار التفاوضي الليبي بشأن اتفاقية ترسيم المياه الاقتصادية مع اليونان، موضحًا أن هناك لجنتين معنيتين بالملف: الأولى شكّلتها حكومة أسامة حماد، والثانية شكّلها البرلمان. وأشار إلى أن اللجنة البرلمانية عقدت لقاءات مع المسؤولين الأتراك، فيما يجري المصريون مشاورات مستمرة مع الجانب الليبي حول آليات التصديق البرلماني على الاتفاقية.

وأوضح العبود، أن الخلاف بين ليبيا واليونان يتمحور حول ثلاث قضايا أساسية: مبدأ العدالة والمناصفة في الترسيم، ووضع جزيرة كريت كامتداد لليابسة اليونانية رغم الجدل القانوني حول وضع الجزر، ثم التشريع اليوناني الذي يدفع نحو الترسيم الاَحادي في المياه الاقتصادية، معتبرًا أنه تشريع بحاجة إلى تعديل لأنه يخالف قواعد القانون الدولي.

وبينّ أن هناك قضية رابعة تتعلق بخط العرض 36، مشيرًا إلى أن الاتفاقية – في حال المصادقة عليها – ستكون في صالح تركيا ومصر وليبيا، بينما قد لا تخدم المصالح اليونانية إذا تم الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية.

وشدد على أن مبدأ التماثل الجغرافي في القانون الدولي لا يسمح بمساواة دولة تمتد سواحلها لأكثر من 550 كيلومترًا مع جزيرة غير مأهولة بالسكان مثل كريت. مؤكدا أن هذه المحددات هي التي ستحكم مستقبل التفاوض.

وعند سؤاله عن قدرة اليونان على موازنة النفوذ التركي في ليبيا، أوضح العبود، أن تأثير أنقرة في المشهد الليبي أكبر بحكم علاقاتها القوية مع الأطراف السياسية ووجود قواتها في طرابلس. لكنه أكد أن “العلاقات الليبية – المصرية” تبقى شراكة استراتيجية أولى، بينما تأتي تركيا في المرتبة الثانية، فيما تحاول اليونان تبني مقاربة جديدة في تعاملها مع ليبيا.

ودعا العبود، أثينا إلى التخلي عن النهج الانتهازي والتصريحات المتضاربة، والتحلي بالمرونة واعتماد لغة الحوار والمصالح المشتركة لتفكيك الملفات العالقة، مشددًا على أن مصر هي الدولة الأكثر قدرة على لعب دور المحاور الإقليمي القادر على جمع جميع الأطراف حول طاولة واحدة.

وأكد أن جوهر الإشكال يكمن في الخلاف التركي – اليوناني الممتد تاريخيًا، وعلى رأسه قضية قبرص، معتبرًا أن تجاوز هذه الخلافات يتطلب حوارًا متعدد الأطراف يضمن مصالح الجميع، ويفتح الباب أمام شراكات مشتركة، بما في ذلك الاستفادة من المكامن النفطية والغازية في شرق المتوسط.

ورأى العبود، أن استمرار الصراع بصورته الحالية “لا يخدم أيًّا من الأطراف ولا مصالح الطاقة في المنطقة”. مؤكدا على ضرورة تجنّب التصعيد العسكري في شرق المتوسط، معتبرًا أن السيناريو الأخير للمشهد العسكري مستبعد تمامًا.

وأعرب عن استغرابه من عجز حلف الناتو – الذي يضم كلًا من تركيا واليونان ويشكّل إطارًا أمنيًا مشتركًا – عن إيجاد آلية لحل الخلافات التاريخية بين الدولتين، في ظل ما وصفه بـ “اهتزاز” الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وفقدان الثقة بين أعضائهما.

وحسب العبود، فإن الدبلوماسية المرنة والحوارات المتعقلة ورفض الخطوات الاَحادية هي السبيل الحقيقي لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة. مؤكدا أن الوصول إلى تقاسم المنافع واحترام سيادة كل دولة هو الطريق الأمثل لتجنب تفاقم التوترات، محذرًا من أن استمرار الخلافات التاريخية وتجاهل مبادئ السيادة سيؤديان إلى مشهد أكثر تعقيدًا لا يخدم أي طرف في المنطق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى