المرعاش: الميليشيات في غرب البلاد حولت ليبيا إلى دولة فاشلة

قال الصحفي والباحث السياسي كامل المرعاش، إن الأوضاع في ليبيا دخلت في دوامة غير طبيعية، مشيرًا إلى أن التوقعات كانت تشير إلى أن الشعب الليبي، بوصفه المتضرر الأول مما آلت إليه الأوضاع، وسيكون له دور أكثر فاعلية في تصحيح المسار وإنقاذ البلاد من النفق المظلم الذي تعيش فيه منذ عام 2011.
وأوضح المرعاش في حديث لقناة “ليبيا الحدث” رصدتها صحيفة الساعة24، أن الواقع، يُظهر أن الشعب الليبي بات مكبّلًا بجملة من الصعوبات اليومية، سواء على المستوى المعيشي أو الاقتصادي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على غياب دوره الأساسي في المشهد، رغم خطورة المرحلة الراهنة وما تحمله من تهديدات حقيقية لمستقبل البلاد.
وأكد أن ناقوس الخطر يُدق للمرة الثالثة، محذرًا من التدخلات الأجنبية التي تسعى – بحسب تعبيره – إلى الإبقاء على ليبيا دولة غير مستقلة، والعمل على تقسيمها وتمزيق نسيجها، بما يسهل السيطرة عليها، وتمرير الأجندات الإقليمية والدولية على أراضيها.
وفي هذا السياق، تطرق المرعاش إلى ما وصفه بالتطور الخطير المتمثل في قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التوجه إلى برلمان بلاده لتمديد بقاء القوات التركية في ليبيا لمدة عامين إضافيين، دون الالتفات إلى الحكومة الرسمية في ليبيا، أو حتى التشاور معها حول مدى قانونية هذا الإجراء أو الشروط المرتبطة به، وما يمكن أن تقوم به تركيا داخل الأراضي الليبية بالتنسيق مع السلطات المحلية.
واعتبر أن هذا التصرف يعكس بشكل قاطع غياب الحكومات في طرابلس، التي – على حد وصفه – لم تعد تمثل حكومات بالمعنى الحقيقي، بل تحولت إلى مهزلة، واصفًا إياها بأنها “عصابات فعلية”، وآخرها ما سماها بـ “عصابة الدبيبة” التي اغتصبت السلطة، واستمرت في الحكم لأكثر من أربع سنوات رغم انتهاء ولايتها، ورغم سحب الثقة منها من قبل مجلس النواب.
وأشار المرعاش إلى أن هذا الوضع الكارثي غُيّبت فيه كلمة الشعب الليبي، متسائلًا عن مكان ودور هذا الشعب، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لا يدعو إلى ترجمة الغضب الشعبي في شكل عنف أو رصاص، بل إلى حراك سلمي واسع، ليكون رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الليبيين غير راضين عن هذا المسار القائم.
ودعا المرعاش إلى التحام الشارع الليبي بالمبادرات التي طرحها القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر في أكثر من مناسبة، والتي دق من خلالها ناقوس الخطر محذرًا من أن ليبيا تعيش كارثة حقيقية تقود الجميع إلى الهلاك، مشيرًا إلى أن غياب الآذان الصاغية لتلك التحذيرات قاد البلاد إلى نتائج وصفها بالكارثية.
ولفت إلى أن هذه النتائج تتمثل في تضخم كبير في الأسعار، وصفقات مالية بالملايين وربما بالمليارات، فضلًا عن مقتل رئيس الأركان بالغرب الليبي في بلد آخر أثناء زيارة رسمية، إلى جانب ما وصفه بحالة العبث والمراهقة السياسية التي تمارسها الحكومة الرسمية، رغم أن المفترض بها اتخاذ مواقف حاسمة إزاء هذه التطورات.
وانتقد المرعاش أداء وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة، معتبرًا أن الوزير يتصرف بعقلية “مراهق سياسي” من خلال تشكيل لجان وخلايا أزمات، في مشهد يعكس – بحسب قوله – واقعًا لم يكن متوقعًا، وكأن البلاد أُفرغت من خبراتها وحكمائها، وأصبحت تُدار بعقلية العصابات، وبعقول مظلمة لا تملك فهمًا للسياسة، أو الاقتصاد، أو المال، أو أي مجال آخر.
وأضاف أن هذا الوضع الكارثي، الذي وصلت إليه البلاد، مرشح للاستمرار في حال استمرار غياب التحركات الشعبية، مشيرًا إلى أن الشارع الليبي – بحسب تعبيره – لا يمكن أن يقبل نهاية مأساوية بهذا الشكل لبلد اسمه ليبيا، يمتد على مساحة جغرافية تُقدّر بمليون وسبعمائة وستين ألف كيلومتر مربع.
وردًا على تساؤل حول ما إذا كانت مسارات الأمم المتحدة تعكس فعلًا إرادة الليبيين في رسم ملامح دولتهم، أم أنها نتاج خرائط القوى الكبرى، قال المرعاش إن البعثة الأممية أُنشئت في الأساس لإدارة الأزمة الليبية، ولديها خطوط حمراء لا تتجاوزها، معتبرًا أن أيًا من المبعوثين الأمميين الذين تعاقبوا على الملف الليبي لم يمتلك الشجاعة الكافية لقول الحقيقة كاملة.
وتابع: جميع هؤلاء المبعوثين، بحسب تقديره، انخرطوا في تمرير الأجندات التي كانوا يتعاونون معها، وكانوا يتشاورون بشكل مباشر مع سفراء تلك الدول، مشيرًا إلى أن آخرهم، هانا تيتيه، لم تتمكن من تحقيق أي اختراق حقيقي، واكتفت بإدارة الأزمة، واصفًا هذه الإدارة بأنها سيئة للغاية.
وأكد المرعاش أن التعويل على البعثة الأممية هو “وهم” يجب أن يستفيق منه الليبيون، لأن هذه البعثة – على حد قوله – لن توفر أي حلول حقيقية، لافتًا إلى أن المبعوثين الأمميين لا يتحدثون بصراحة عن جوهر المشكلات الليبية إلا بعد مغادرتهم مناصبهم.
وضرب مثالًا بالمبعوث الأممي السابق غسان سلامة، الذي تحدث لاحقًا عن تفشي الفساد وظهور مليونيرات جدد يوميًا في ليبيا، لكنه – وفق المرعاش – لم يكتب حرفًا واحدًا عن هذا الفساد، ولا عن المستفيدين منه، في تقاريره المقدمة إلى مجلس الأمن.
وشدد المرعاش على أن إنقاذ ليبيا يتطلب من الليبيين الاصطفاف حول خيار واحد، يتمثل في وضع اليد على الجرح وتشخيص أسباب الأزمة منذ عام 2011 وحتى نهاية عام 2025، مشيرًا إلى أن من يعيق أي تقدم حقيقي نحو الحل هم العصابات التي سيطرت على مفاصل الدولة، موضحًا أن أكثر من 27 مدينة في غرب ليبيا تخضع لسيطرة الميليشيات، التي يقودها – بحسب وصفه – “جهلة وصعاليك” لا يملكون أي رؤية مستقبلية، ولا يسعون إلا لتحقيق مصالحهم في السلطة والثروة، مؤكدًا أن ليبيا بهذه العقلية لن تتقدم، ولن تستقر، ولن تستعيد وحدتها.
واعتبر المرعاش أن حالة “الدولة الفاشلة” التي وصلت إليها ليبيا باتت تمثل ذريعة أخلاقية، وربما قانونية أيضًا، لدى بعض الدول للتدخل في شؤونها، موضحًا أن هذه القوى الدولية تروّج لفكرة أن ليبيا دولة منقسمة ولا تستحق السيادة، وبالتالي ترى نفسها الأقدر على تقدير مصلحتها والتصرف في إدارتها والتدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يحدث فعليًا على أرض الواقع.
وأشار المرعاش إلى أنه، ورغم وجود محاولات وقوى وطنية تسعى إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن ليبيا دولة ذات سيادة وتمتلك القدرة على أن تكون كذلك، فإن هذه الجهود تصطدم بواقع خطير يتمثل في انتشار المجموعات المسلحة في غرب البلاد، معتبرًا أن هذه المجموعات تمثل أصل المأساة الليبية.
وفي هذا السياق، انتقد المرعاش أداء الأمم المتحدة، متسائلًا عما إذا كان أي مبعوث أممي قد ركز يومًا على ملف الميليشيات، من حيث حصر عددها، أو تتبع كيفية استفادتها، أو معرفة مصادر تمويلها، أو حتى الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها، مؤكدًا أنه لم يشهد أي مبعوث أممي واحد يتناول هذه الملفات بجدية.
وبينّ أن هذا الملف تحديدًا هو المدخل الحقيقي لإنقاذ ليبيا وإعادة استقرارها، لافتًا إلى أن السلاح المنفلت الذي يسيطر على المدن ويتحكم في حكومات طرابلس منذ حكومة علي زيدان، يمثل الداء الأساسي الذي كان يتوجب على البعثة الأممية معالجته منذ أول بعثة.
ورأى المرعاش أن الحل كان يستلزم أن يتولى مجلس الأمن هذا الملف بشكل مباشر، من خلال إصدار قرارات واضحة بتفكيك الميليشيات، ومصادرة أسلحتها، ووضع قادتها خلف القضبان لمحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها، مؤكدًا أنه دون ذلك لن يكون هناك أي حل حقيقي للأزمة الليبية.
غير أنه أشار في المقابل إلى أن هذا المسار لا يروق لبعض الدول التي نسجت علاقات مباشرة مع قادة هذه الميليشيات، لافتًا إلى أن قادة المجموعات المسلحة بات بإمكانهم زيارة أوروبا والحصول على تأشيرات خلال 24 ساعة فقط.
وأضاف أنه شاهد بعض هؤلاء القادة يتجولون في شارع الشانزليزيه بباريس، رغم أن أيديهم – على حد وصفه – ملوثة بدماء الليبيين، بل ويتم استقبالهم على أعلى المستويات من قبل أجهزة الاستخبارات الفرنسية وتحت حمايتها.
وتساءل المرعاش عن الكيفية التي يمكن لدولة مثل فرنسا، التي تعلن سعيها لحل الأزمة الليبية ودعم الديمقراطية، أن توفر الغطاء والحماية لبعض قادة الميليشيات، وتفتح لهم أبوابها ولعائلاتهم، في الوقت الذي يعجز فيه المواطن الليبي العادي عن الحصول على تأشيرة فرنسية.
وأردف: أن هذا المشهد يعكس واقعًا مفزعًا، ينبغي على الليبيين إدراكه، مفاده أن هناك قوى دولية وأخرى إقليمية تستفيد بشكل مباشر من استمرار هذا الوضع.
وأشار إلى أن هذا الواقع يضعف حتى الموقف التفاوضي لليبيا، لا سيما في قطاع النفط الذي يعد القطاع الاستراتيجي والحيوي للبلاد، موضحًا أن الدولة حين تكون في وضع الفشل، فإن قدرتها على التفاوض تتآكل، سواء فيما يتعلق بإدارة قطاع النفط أو القطاع المالي.
وأوضح المرعاش أن هذه القوى باتت تسيطر فعليًا على توزيع الأموال، متسائلًا عن مصير هذه العائدات النفطية، وكيف يتم تقسيمها، معتبرًا أن ليبيا فقدت سيادتها حتى على ريع النفط الذي يمثل مصدر دخلها الأساسي.
وأضاف أن هذا الوضع ينعكس سلبًا أيضًا على فرص التفاوض بشأن الاستثمارات الجديدة، حيث لا تكون ليبيا قادرة على فرض أسعارها التنافسية، بل تُفرض عليها الشروط والأسعار التي تناسب تلك الدول، مؤكدًا أن هذا هو الواقع “المذري” الذي تستفيد منه هذه القوى اقتصاديًا وماليًا وسياسيًا.
وأشار المرعاش إلى أن عرقلة نهضة ليبيا واستقرارها تصب في مصلحة هذه الدول، سواء كانت قوى إقليمية أو دولية، لافتًا إلى وجود دولة إقليمية بعينها تسعى للسيطرة على ليبيا، وقد تمكنت بالفعل من بسط نفوذها على مفاصلها، رغم كل المحاولات التي بذلتها ليبيا لتمهيد العلاقات معها وفتح أبواب الاستثمار والتجارة.
وأكد أن هذه الدولة تصر على البقاء في ليبيا، وتعتبر وجودها استراتيجيًا رغم بعدها الجغرافي، معتبرًا أن ما يجري هو في جوهره سيطرة ذات نوايا استعمارية، وليس مجرد علاقات صداقة أو تعاون أو علاقات ودية، كما يُروَّج لها.









